اعتقد أن كل بيتٍ مغلقٍ ليس بيتاً مهجوراً، ولا كل عدادٍ متوقفٍ دليلاً على استهلاكٍ يجب أن يُعاقَب صاحبه عليه. فهناك بيوتٌ أُغلقت أبوابها لأن أصحابها اغتربوا، وأخرى لأن أبناءها يعملون في مدنٍ بعيدة، وثالثةٌ يملكها أصحابها ولا يسكنونها إلا أياماً معدودة في العام. وبين بابٍ مغلق وعدادٍ لا يتحرك، تبدأ حكايةٌ جديدة عنوانها: «كهربا يا بيه»، ولأن القرارات حين تخرج من المكاتب قد تبدو منطقية على الورق، فإن اختبارها الحقيقي لا يكون في نصوصها، وإنما في حياة الناس.
الحديث عن إلزام مالك الوحدة بتركيب وتشغيل عداد الكهرباء حتى في حال عدم الإقامة كما هو متداول يفتح باباً واسعاً للنقاش. وأنا هنا لا أناقش حق الدولة في تنظيم قطاع الكهرباء، ولا أهمية ضبط الاستهلاك، ولا ضرورة حماية الشبكة من الهدر أو التلاعب؛ فهذه كلها أمور لا يختلف عليها عاقلان، لكنني أسأل سؤال المواطن البسيط:ماذا يفعل صاحب البيت الذي لا يعيش فيه أصلاً؟
هل يُطلب من رجلٍ يعمل في الخارج أن يهبط إلى مصر كل شهر، لا ليرى أمه أو أبناءه، ولا ليطمئن على بيته، وإنما فقط كي يشغّل عداد الكهرباء قليلاً ثم يغادر؟
وهل يصبح الحل أن يترك التيار الكهربائي يعمل طوال العام، فيدفع استهلاكاً ورسومًا مقابل خدمة لا ينتفع بها، فقط لأن العداد يجب ألا يظل ساكناً؟هنا لا يعود الأمر متعلقاً بالكهرباء وحدها، هنا نتحدث عن فلسفة القرار نفسه.
فالدولة تريد ترشيد الاستهلاك، والمواطن يريد أيضاً أن يرشد استهلاكه. فلماذا يتحول المنزل غير المأهول، الذي لا يستهلك كهرباء أصلاً، إلى مشكلة ينبغي حلها بإجباره على استهلاكها؟، أليس من المفارقات أن نطالب المواطن بإطفاء الأنوار والأجهزة، وننصحه بالاقتصاد في الاستهلاك، ثم نضع أمام صاحب منزل مغلق خياراً يبدو وكأنه بين أمرين: إما أن يشغّل الكهرباء، وإما أن يتحمل تبعات عدم تشغيلها؟
إن ترشيد الطاقة ليس مجرد حملة إعلانية نكتب فيها «وفّر الكهرباء»، ثم ننسى أن هناك ملايين الوحدات التي لا يسكنها أحد.
والترشيد الحقيقي يعني أن يستهلك من يحتاج، وأن يتوقف العداد حيث لا توجد حاجة، وقد أكدت الدولة هذا المعنى بمشروع عداد الكارت والذي يخدم الدفع مقابل الاستهلاك، وأيضاً أن تكون هناك آلية عادلة للتعامل مع الوحدات المغلقة والمنازل الموسمية والوحدات التي يملكها مصريون مقيمون في الخارج.
ولنسأل عن المغترب تحديداً، ذلك المصري الذي ترك أسرته، وسافر آلاف الكيلومترات بحثاً عن الرزق، قد يكون قد بنى شقته أو منزله على مدى سنوات من الغربة. البيت بالنسبة إليه ليس مشروعاً تجارياً، وإنما مدخرات عمر، وذاكرة، ومكان يعود إليه حين تنتهي رحلة العمل، فهل يُعقل أن يصبح مطالباً بزيارة مصر دورياً حتى يثبت أن عداد الكهرباء «حي»؟وإذا لم يستطع النزول، فهل يترك الكهرباء موصولة بلا استخدام؟ ومن سيدفع فاتورة ذلك المواطن؟أم الدولة؟أم البيئة التي ندفع جميعاً ثمن استنزاف مواردها؟
إنني أخشى دائماً من القرارات التي تتعامل مع المواطن باعتباره حالة واحدة، بينما الواقع يقول إن الناس ليسوا نسخة واحدة، هناك منزل يسكنه عشرة أشخاص، وهناك منزل مغلق منذ سنوات ، وهناك شقة مصيفية لا تُفتح إلا أسابيع معدودة، وهناك منزل صاحبه في الكويت أو السعودية أو الإمارات أو أوروبا، ولا يعود إليه إلا في إجازته السنوية، وهناك بيت ورثه أبناء يعيشون في محافظات أخرى، ولا يستخدمونه إلا نادراً، فهل يصلح معيار واحد لكل هؤلاء؟
المشكلة ليست في أن الدولة تريد معرفة الوحدات التي تستخدم الكهرباء؛ فهذا أمر مفهوم، المشكلة في أن الإجراء العادل يجب أن يفرق بين الاستهلاك الحقيقي وعدم الاستهلاك.
وأنا لا أطالب بإعفاء صاحب الوحدة من التنظيم أو الرقابة، وإنما أطالب بأن يكون هناك مسار واضح وسهل لمنزله غير المأهول: تسجيل حالة «وحدة غير مستخدمة»، أو إقرار إلكتروني، أو قراءة دورية للعداد، أو أي آلية تحقق للدولة هدفها دون أن تدفع المواطن إلى استهلاك مصطنع، فإذا كان الهدف هو معرفة الوحدات القائمة فعلياً، فالتكنولوجيا قادرة اليوم على فعل ذلك دون أن يتحول المواطن إلى موظفٍ يسافر من بلد إلى بلد ليشغّل مفتاحاً.
وهنا نصل إلى السؤال الذي لا يجوز أن نهرب منه: من يخدم القرار إذا أدى إلى تشغيل كهرباء لا يحتاج إليها أحد؟إذا كان المقصود حماية الشبكة وترشيد الطاقة، فإن إجبار وحدة غير مأهولة على استهلاك الكهرباء قد يناقض روح الهدف، أما إذا كان المقصود تنظيم العدادات وحصر الوحدات، فليكن التنظيم ذكياً، لا أن يتحول إلى تكلفة إضافية على مواطن لا يستخدم الخدمة أصلاً.
إن المواطن لا يرفض الدولة، ولا يرفض القانون، ولا يرفض الترشيد، المواطن يريد فقط أن يفهم، يريد أن يعرف: ماذا أفعل إذا كنت خارج البلاد؟ ماذا أفعل إذا كان المنزل مغلقاً؟ هل هناك طريقة قانونية لإثبات عدم الإقامة؟ هل يمكن تسجيل القراءة عن بُعد؟ هل توجد فئة خاصة للوحدات غير المستخدمة؟ وهل سأدفع مقابل استهلاك لم يحدث؟وهذه ليست أسئلة معارضة، هذه أسئلة مواطن يريد أن يلتزم، لكنه يريد أن يعرف كيف يلتزم دون أن يتحول الالتزام إلى عبء غير منطقي.
وأقول للمسؤولين بكل احترام: إن أفضل القرارات ليست تلك التي تُطبَّق بالقوة، وإنما تلك التي تجعل المواطن مقتنعاً بمنطقها، فالقرار الذي يفهمه الناس يتحول إلى تعاون، أما القرار الذي لا يجد المواطن فيه تفسيراً لحالته الخاصة، فقد يتحول إلى مصدر قلق وشكاوى وتكاليف إضافية.
نحن في حاجة إلى إدارةٍ تنظر إلى التفاصيل الصغيرة؛ لأن حياة الناس كلها تسكن في التفاصيل الصغيرة، اما عدادٌ في شقة مغلقة، أو صاحب منزل في الغربة، أوأمٌّ تعيش وحدها، أوأسرةٌ لا تعود إلى بيتها إلا في الصيف، ومواطنٌ يحاول أن يكون ملتزماً، لكنه لا يعرف أي طريق يسلك.
ولذلك، فإنني لا أريد أن يتحول «كهربا يا بيه» إلى جملة ساخرة يتداولها الناس كلما صدر قرار جديد، أريده أن يكون سؤالاً مشروعاً أمام كل قرار: هل حققنا الغاية بأقل كلفة على المواطن؟
فالدولة القوية ليست التي تجعل الجميع يستهلكون، وإنما التي تجعل الجميع يستهلكون بقدر حاجتهم، والإدارة الحديثة ليست التي تفرض على صاحب البيت أن يشغّل عداده، وإنما التي تستطيع أن تعرف أن البيت مغلق، وأن صاحبه في الخارج، وأن العداد متوقف لأن الحياة نفسها متوقفة فيه.
أما المغترب المصري، الذي يعمل بعيداً عن وطنه ويحول أمواله إليه، فلا ينبغي أن يشعر بأن بيته الذي تركه خلفه صار عبئاً جديداً عليه، فهو يريد أن يلتزم، فأعطوه طريقةً سهلة للالتزام، ولا تطلبوا منه أن يركب الطائرة كي يشغّل العداد،وولا تجعلوه يترك الكهرباء تعمل بلا حاجة حتى يثبت أنه ما زال موجوداً.
اجعلوا القانون ذكياً بقدر ما هو ملزم، واجعلوا الترشيد ترشيداً حقيقياً لا استهلاكاً مفروضاً.وفي النهاية، ليست القضية «عداد كهرباء» فحسب، القضية أكبر من ذلك، إنها سؤال عن شكل العلاقة بين المواطن والدولة: هل نضع الإنسان داخل قالب القرار، أم نصمم القرار بحيث يتسع لحياة الإنسان؟
وأنا أؤمن أن الدولة التي تحترم مواطنها لا تخاف من السؤال، والمواطن الذي يحب وطنه لا يرفض التنظيم لكن بين الاثنين يجب أن تكون هناك مساحة منطقية.

