إن سياسة التعامل مع الجمهور هي نوع من الأدب الشخصي والالتزام بقواعد الوظيفة، وأي إساءة تصدر من الموظف إنما هي تجاوزات شخصية تسيء لسمعة المؤسسة الحكومية بأكملها، وبالمثل فإن أي إساءة من المواطن تسيء لشخصه وسمعة مجتمعه. لذا يجب التعامل مع أي مخالفات تحدث داخل المؤسسة بحرص شديد، عبر تحرير محاضر لإثبات الواقعة وتحويلها للجهات المسؤولة لاتخاذ اللازم ضد المخالفين بحيادية تامة لا تؤثر سلباً على سمعة الجهة التي تقدم الخدمة.
ربما نسمع يومياً عن تجاوزات قد تحدث من موظف أو مواطن داخل الهيئات الحكومية، كما حدث بالأمس حين شاهدنا تلك المشادات الكلامية التي وصلت للتطاول بالألفاظ بين موظفة التأمينات وأحد كبار السن من أصحاب المعاشات، وقد بادرت الجهات المسؤولة لاتخاذ اللازم حيال الموظفة وإيقافها عن العمل لحين الإنتهاء من التحقيقات.
ما بين التصديق والتكذيب: هناك حقيقة مخفية
والسؤال: إذا كان التصوير ممنوعاً داخل الهيئات الحكومية إلا بتصريح رسمي، وإذا كنا نسعى للحفاظ على المظهر العام الذي من المفترض أن يكون حضارياً في الأسلوب والتعامل بين مقدم الخدمة (الموظف) وطالبها (المواطن)، فكيف يثبت الموظف حقه في نفي الواقعة؟ أو كيف يملك المواطن إثباتها؟
وهناك سؤال آخر: لماذا لا تبادر جميع الهيئات الحكومية التي تتعامل مع الجمهور بشكل مباشر بتركيب كاميرات داخلية في مكاتبها لرصد مخالفات الموظف، وخارجية لرصد مخالفات الجمهور طالب الخدمة؟ وبالتالي يمكن بسهولة محاسبة المخطئ منهما.
الكاميرات أداة إثبات أو نفي
مع التزاحم الشديد واختلاف السلوكيات بين البشر، لابد أن تحدث تجاوزات داخل المؤسسة الحكومية أو على نوافذ تقديم الخدمة.
فمن ناحية الهيئة، هناك الموظف الذي يجب عليه ابتداءً الالتزام بقواعد عمله والتوقيت المحدد لبدئه والتعامل مع الجمهور، وهناك مواطن ينتظر أن تفتح تلك النوافذ في الموعد المعلن. ولكن مع غياب الالتزام تبدأ المشكلة؛ فلو التزم كلا الطرفين، لصارت الأمور على ما يرام دون حدوث أي تجاوزات.
فهذا الموظف في بعض الأحيان قد يوقع في دفتر الحضور ويذهب لمكتبه، لكنه يظل خلف النوافذ المغلقة متفرغاً لتناول وجبة الإفطار أو شرب الشاي والقهوة، وعلى الرغم من أن تناول الأطعمة والمشروبات داخل معظم الهيئات في أوقات العمل الرسمية أمر مخالف لللوائح، فإنه يتسبب في هذا الوقت القصير بتجمع عدد كبير من طالبي الخدمة، ليبدأ التزاحم وتتعالى الأصوات وتسود الفوضى حول من يقف أولاً.
مواطن ينتظر الخدمة
هناك مواطن يتطلع للحصول على خدمته في أقصر وقت ممكن، ولذا مع التزاحم الشديد وطول الانتظار قد يعلو صوته على مواطن مثله، وربما يطال هذا التشاجر الموظف لتأخره عن الوقت المحدد، حيث يرى أن التأخير هو السبب الرئيسي لهذا الزحام، وبالتالي تحدث العديد من التجاوزات خاصة مع نقص عدد الموظفين.
أداة لرصد المخالفة
لذا كان من الضروري وجود وسيلة تثبت أو تنفي الاتهام الموجه من المواطن ضد الموظف أو العكس، ومن هنا نبعت الحاجة لتركيب كاميرات مراقبة لرصد أي تجاوزات، وبناءً على تسجيلاتها يمكن معاقبة المخطئ حال وقوع المخالفة؛ فهذه الكاميرا بمثابة شاهد إلكتروني يرصد الواقعة دون تزييف، ويسجلها دون كذب.
التعامل مع الآخرين سلوك يعكس التحضر
إن التعامل مع المواطن يتطلب أسلوباً راقياً وثقافة نحترم من خلالها آدمية غيرنا لا أن يُهان مقابل طلبه لخدمة ما. لذا كان تدريب الموظف على هذه الثقافة أمراً ضرورياً وحتمياً من خلال دورات خاصة ترسخ احترام الآخرين، وعلى الجانب الآخر وجب على المواطن احترام القواعد والالتزام بالطابور دون خروج عنه.
كما وجب على المؤسسة أن تتعامل بأسلوب يليق بحضارة الدولة وعراقتها، عبر توفير مقاعد للانتظار وتطبيق نظام الأرقام الآلية لتحديد الأسبقية، منعاً للتزاحم أمام النوافذ وضماناً لسير العمل في إطار من الأدب والاحترام.
ختاماً
إن كل ما يحدث من إساءة، سواءً من موظف لمواطن أو العكس، إنما هي انعكاس لسمعة المجتمع ومدى احترام أفراده في التعامل البيني. لذا وجب علينا جميعاً الحرص على ألا نسيء لمجتمعنا، وأن نكون أكثر حرصاً على تصويب ما نراه من مخالفات سلوكية بهدوء ودون تشويه للحقيقة، وذلك فور رصد تلك المخالفات في التو واللحظة.

