بقلم : د. تامر عبد القادر عمار
في مثل هذه الأيام، من قلب التاريخ، ارتفعت هامات المصريين ورفرفت رايات العز فوق ضفاف القناة، لتسطر أمة بأكملها ملحمة السادس من أكتوبر 1973. لم يكن ذلك اليوم وليد لحظة عابرة، بل خلاصة صبر طويل، وتخطيط محكم، وإرادة لا تلين. كان انتصار أكتوبر استعادة للكرامة، وبعثاً للأمل، وتجسيداً لإرادة أمة رفضت الهزيمة وأبت الانكسار.
لقد عاشت مصر سنوات ما بعد نكسة يونيو مثقلة بالجراح، لكنها لم تستسلم للحزن أو الانهزام، بل بدأت تعد العدة في صمت وإصرار. كان القائد الراحل أنور السادات يعلم أن ساعة المواجهة لن تُدق إلا إذا توحدت الإرادة مع الاستعداد. فجاءت خطة الخداع الاستراتيجي إحدى أبرز صفحات الذكاء العسكري المصري، حينما أُوهم العدو بأن مصر غارقة في همومها الاقتصادية والسياسية، بينما كانت أيادي الرجال تعمل في صمت على بناء الجسور، وتدريب الجنود، وتعبئة الجبهة الداخلية.
وفي ظهر السادس من أكتوبر، وعبر صيحات “الله أكبر”، انطلقت نسور الجو المصري تمهد الطريق، قبل أن يعبر رجال القوات المسلحة قناة السويس في مشهد حبس أنفاس العالم. ارتفعت سواعد الجنود وهم يرفعون العلم المصري على الضفة الشرقية، ليثبتوا أن المستحيل يمكن أن ينكسر أمام إيمان صادق وعزيمة راسخة. كانت لحظة رفع العلم فوق خط بارليف لحظة فاصلة في تاريخ الأمة، لحظة استعادة الأرض والكرامة معاً.
لم يكن النصر عسكرياً فحسب، بل كان نصراً معنوياً وحضارياً، غيّر موازين القوى في المنطقة، وأعاد لمصر مكانتها وقيمتها بين الأمم. كان السادس من أكتوبر إعلاناً بأن مصر قادرة على صوغ مستقبلها بإرادتها الحرة، وأنها حينما تتحد وتؤمن بقضيتها، فإنها تملك أن تقهر أعتى الصعاب.
إن ذكرى أكتوبر درس خالد للأجيال: أن الحرية لا تُمنح بل تُنتزع، وأن الأوطان لا تصان إلا بدماء أبنائها وعرق رجالها. وفي كل عام، تعود إلينا هذه الذكرى لتجدد العهد بأن مصر ستظل عصية على الانكسار، وأن رايتها ستبقى عالية ما بقي على ضفاف النيل جيل يحمل الراية من جيل.
واليوم، وبعد عقود من نصر أكتوبر المجيد، تتجدد روح العبور في وجدان كل مصري، لكن هذه المرة ليست عبور الخنادق والسواتر، بل عبور نحو التنمية والبناء، نحو مستقبل يليق بتاريخ هذا الوطن العريق. فقد أدركت القيادة السياسية الحكيمة، بقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي، أن معركة اليوم ليست ضد عدو خارجي يحمل السلاح، بل ضد الجهل والفقر والتخلف، وأن النصر الحقيقي هو أن تبني دولة قوية قادرة على حماية حاضرها وصناعة مستقبلها.
لقد انتقلت مصر من مرحلة استعادة الأرض إلى مرحلة حماية الكيان وصون مقدرات الوطن. فكما كان المقاتل المصري على الجبهة يوم السادس من أكتوبر رمزًا للتضحية والفداء، فإن العامل والمهندس والطبيب والمعلم اليوم هم جنود على جبهة التنمية. مشروعات عملاقة تمتد على امتداد أرض مصر، من سيناء إلى العلمين، ومن الصعيد إلى الدلتا، تجسد رؤية طموحة لخطة “مصر 2030” التي جعلت التنمية المستدامة هدفًا وطنيًا يسير بخطى واثقة نحو تحقيقه.
من قناة السويس الجديدة التي فتحت آفاقًا اقتصادية واعدة، إلى العاصمة الإدارية التي تمثل نموذجًا لحضارة عصرية تنبض بالتخطيط والتنظيم، إلى شبكة الطرق العملاقة التي ربطت أطراف الوطن وأعادت الحياة إلى المناطق النائية، كلها شواهد على أن مصر لم تعد تنظر إلى الماضي فقط، بل تبني مجدها الحديث على أسس راسخة من العمل والانضباط والرؤية المستقبلية، وفي قلب هذا التحول الكبير، جاءت توجيهات الرئيس السيسي واضحة: بناء الإنسان قبل البنيان. فالتنمية الحقيقية لا تقوم على الحجر وحده، بل على الفكر والعلم والوعي. لذلك، كان الاستثمار في التعليم، والصحة، ومبادرات “حياة كريمة”، جزءًا أصيلاً من معركة البناء الجديدة، التي تهدف إلى رفع مستوى معيشة المواطن وصون كرامته. إنها معركة أخلاقية قبل أن تكون اقتصادية، لأنها تؤكد أن الدولة القوية هي التي تحمي أبناءها وتفتح أمامهم أبواب الأمل والعمل.
لقد نجحت مصر في أن تستعيد مكانتها العالمية من جديد، وأصبحت صوتًا مسموعًا في القضايا الإقليمية والدولية. مواقفها المتوازنة في الأزمات العربية، ودورها المحوري في حفظ الاستقرار في المنطقة، يعكسان حكمة قيادة تدرك أن القوة ليست في السلاح فقط، بل في الرؤية، وفي القدرة على الجمع بين الصلابة والاتزان. فالرئيس السيسي استطاع أن يرسخ مفهوم “القوة الهادئة” التي تصون الحقوق وتحافظ على أمن الأمة دون تهور أو تردد.
إن ما يعيشه المصريون اليوم من أمن واستقرار، ليس هبة عابرة، بل ثمرة تضحيات متراكمة وإدارة واعية تعرف كيف توازن بين متطلبات الحاضر وطموحات المستقبل. مصر اليوم ليست فقط “التي انتصرت” في أكتوبر، بل هي التي “تنتصر” كل يوم في معركة الوعي والبناء، والتي تكتب فصول نصر جديد بالعلم والعمل والإصرار.
وهكذا، يظل أكتوبر رمزًا خالدًا، لا لانتصار عسكري فحسب، بل لمعنى أعمق في الوجدان المصري: أن مصر لا تعرف الهزيمة، وأنها حين تنهض فإنها تنهض لتقود، وحين تنتصر فإنها تنتصر لتبني.
وستبقى القيادة الحكيمة للرئيس عبد الفتاح السيسي امتدادًا لتاريخ مشرق، يحمل مشعل الوطنية من جيل إلى جيل، لتظل مصر — كما كانت دائمًا — درع الأمة وسيفها، وحصنها المنيع في وجه العواصف، وواحة أمن وسلام لا تنضب فيها ينابيع العطاء
ولتعلم عزيزي القارئ أن إرادة المصريون حينما تقترن بالإيمان، تصنع المعجزات ، ونحن اليوم حين نستعيد أمجاد الماضي، فإننا نستلهم منها طاقة للبناء، وعزماً على صون الوطن، وإيماناً راسخاً بأن مصر، التي صنعت معجزة العبور، قادرة على أن تصنع معجزات المستقبل.
وانتصرنا… وستبقى صيحة العبور خالدة في ضمير الأمة، وشاهداً على أن مصر لا تنكسر، بل تنهض، وتقاتل، وتنتصر.

