بقلم : د. تامر عبد القادر عمار
في زحام الحياة اليومية، ليس هناك ما هو أشد استنزافًا من قضاء يومٍ كامل في أحد البنوك، حيث يتحوّل المواطن البسيط إلى مُنتظر طويل الأمل، تتآكل ساعاته بين صفوف مزدحمة، ونظرات متوجسة، وأسئلة معلّقة بلا إجابة.
ذهبتُ أمس، كما فعل كثيرون، إلى أحد فروع البنوك لتحديث البيانات واستلام بطاقة “الماستر كارد”، وهو إجراء لا يتطلّب أكثر من دقائق معدودة تقنيًا، لكنّه تحوّل إلى رحلة مرهقة (يوم كامل فعلياً) يبدأ بأرقام انتظار لا تُستوفى إلا بعد ساعات، ونوافذ خدمة تعمل ببطء شديد رغم التنظيم النسبي الذي توفره خاصية الرقم الآلي. ومع أن البنك قد وضع نظامًا لترتيب الدور، إلا أن ذلك لم يمنع التكدس أمام الأبواب وداخل البنك ، ناهيك عن تذمّر العملاء، خصوصًا مع غياب موظفي إرشاد فعّالين يوجّهون الناس للخطوات التالية التي امتدت لساعات طوال. بين انتظار بلا مقاعد، وهواء مشبع بالتوتر، وموظفون أنهكتهم كثافة العمل، ومواطنون ضائعون بين الأرقام والنداءات
لكن ما يزيد الاستغراب أن بعض المعاملات البسيطة – مثل تحديث البيانات أو تحميل صور بطاقة الرقم القومي – كان من الممكن إنجازها بسهولة عبر تطبيق إلكتروني، كما يحدث في دول الخليج وأوروبا، حيث تُقدَّم الخدمات البنكية بسرعة وسلاسة من خلال واجهات رقمية متطورة، تمنح العميل القدرة على متابعة معاملاته من منزله، دون الحاجة لزيارة الفرع إلا للضرورة القصوى.
والسؤال الذي يطرح نفسه: لماذا لا تُفعّل هذه الأدوات لدينا رغم توافر التكنولوجيا والكفاءات؟ أليس من الأسهل أن يُطلب من العميل رفع المستندات المطلوبة عبر التطبيق، ثم يأتي للبنك فقط لتوقيع نهائي أو استلام البطاقة؟ ألا يسهم ذلك في تقليل الازدحام، وتخفيف الضغط على الموظفين، وتسريع وتيرة العمل؟
إن المواطن لا يطلب المستحيل، بل يسعى إلى خدمة كريمة في مكان يُفترض أن يكون عنوانًا للثقة والاحتراف. وإن كانت هناك دعوات لتقليل الازدحام وتحقيق الشمول المالي، فالبداية تكون بتبني عقلية رقمية حقيقية، تضع راحة المواطن في قلب السياسات البنكية، وتعيد الثقة إلى مؤسساتنا المصرفية باعتبارها شريكًا فعّالًا في التنمية
ولسنا هنا بصدد الهجوم على موظفي البنك، فهم أيضًا جزء من هذه المعاناة، وإنما نسعى لتسليط الضوء على حاجة ملحة لإعادة النظر في منظومة الخدمات البنكية.
يجب أن يُعاد التفكير في آلية الحجز المسبق، وإعادة توزيع أدوار الموظفين، وتوفير أماكن انتظار لائقة، وتخصيص مسارات سريعة للإجراءات البسيطة
التكنولوجيا ليست وحدها كافية إن لم تُدار بكفاءة، والمواطن ليس الجاني بل هو الحلقة الأضعف في سلسلة تحتاج إلى مراجعة شاملة.
يوم واحد في البنك قد لا يعني الكثير للبعض، لكنه بالنسبة لكثيرين يعني ضياع وقت، وفقدان طاقة، واهتزاز ثقة في المنظومة
ما نحتاجه ليس تغيير السيستم فقط، بل تغيير الفلسفة التي تقوم عليها الخدمة: فلسفة تجعل من العميل إنسانًا أولًا، لا رقمًا في طابور طويل
لقد حان الوقت لأن ننتقل من منطق “التحمّل” إلى منطق “التحسين”، من انتظار مرهق إلى خدمة راقية، ومن فوضى عشوائية إلى نظام يُحترم فيه وقت المواطن وكرامته.
فالمؤسسات الخدمية ليست فقط واجهات اقتصادية، بل هي مرايا تعكس مدى احترامنا للإنسان في هذا الوطن

