بقلم: د. عبير محمود خلف
في زمنٍ كثرت فيه الأصوات وتكاثرت فيه المنابر يبقى للدكتور عمر هاشم صوته الهادئ العميق ورسالته النقية الممتدة من عبق الأزهر الشريف ما يميّزه عن غيره فهو ليس مجرد عالم بل هو مدرسة قائمة بذاتها تسير على نهج الوسطية وتضيء طريق الأمة بالعلم والحكمة والاعتدال
وُلد الدكتور عمر هاشم في أرضٍ تفيض بالإيمان والعلم ونشأ في أحضان الأزهر الشريف ذلك الصرح الذي أنجب أعلام الفكر والدعوة في العالم الإسلامي فتدرّج في طلب العلم حتى بلغ أعلاه وأصبح أحد رموز الحديث الشريف ومراجع السُّنة النبوية في العصر الحديث
شغل العديد من المناصب العلمية والدعوية منها رئاسة جامعة الأزهر ورئاسة لجنة الشؤون الدينية بمجلس الشعب لكنه لم يكن أبدًا أسير منصب بل كان عالمًا يحمل همّ الدين في قلبه ويصدح به في خطبه ومحاضراته وإطلالاته الإعلامية التي كانت ولا تزال مصدر إلهام للملايين من المسلمين
تميّز الدكتور عمر هاشم بصوت رخيم يحمل دفء الإيمان وبأسلوب بسيط يصل إلى القلوب قبل العقول فكان حديثه في المسجد أو في شاشة التلفاز كحديث الأب المشفق والمرشد الحكيم يُذكّر ولا يُنفّر يُبسط ولا يُعقّد ويدعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة
وما يميزه حقًا هو التوازن العميق بين الأصالة والتجديد فقد ظلّ وفيًا للتراث الإسلامي دون أن يُقصي العقل أو يُهمّش الواقع فكان رائدًا في تجديد الخطاب الديني دون أن يُفرّط في ثوابت الدين أو يُغيّب مقاصده النبيلة
إن سيرة الدكتور عمر هاشم ليست فقط قصة عالم بل هي قصة رجلٍ عاش للإسلام وللأزهر وللناس فكان صورة حية لما يجب أن يكون عليه الداعية الحق عالمًا بكتابه وسنّة نبيّه صادقًا في كلمته ثابتًا على مبدئه متواضعًا في علمه
واليوم ونحن نستعرض سيرته العطرة نُدرك أننا أمام قامة فكرية وروحية يُحتذى بها في زمنٍ يتعطّش إلى القدوة والنموذج ويكفيه شرفًا أن يُقال عنه إنه من الذين جمعوا بين العلم والعمل بين القول والفعل بين الهدي والخلق فكان بذلك مناراتٍ على طريق النور
رحم الله الدكتور عمر هاشم إن كان قد رحل ومدّ في عمره إن كان بيننا وبارك في علمه وجهده وجعل من سيرته نبراسًا لمن أراد أن يتعلم كيف يكون العالِم عاملًا والداعية رحيمًا والإنسان عظيمًا

