بقلم: د. رشا ربيع الجزار
باحث أكاديمي في التربية البيئية – كلية التربية – جامعة الفيوم
يسعدني ويشرفني متابعة قرائي الأعزاء عبر صفحات جريدة الأخبار نيوز، حيث نفتح معًا ملفًا بالغ الخطورة، لم يعد مجرد نقاش أكاديمي أو تقارير بيئية، بل أصبح واقعًا يعيشه كل إنسان على وجه الأرض: التغيرات المناخية.
في الأيام القليلة الماضية، تصدرت عناوين الصحف العالمية أخبارًا متسارعة عن كوكب يئن تحت وطأة الاختلال البيئي. ففي إيطاليا، أعلن خبراء الجيولوجيا أن نهر “فينتينا” الجليدي في جبال الألب قد تقلّص لدرجة تهدد وجوده بالكامل، ما اضطر العلماء إلى مراقبته عن بُعد بالأقمار الصناعية والطائرات المسيّرة، بعد أن فقد أكثر من 64% من حجمه خلال قرن واحد فقط.
أما في إسبانيا والبرتغال، فقد تحولت موجة الحر إلى جحيم من النيران، حيث التهمت الحرائق مئات الآلاف من الهكتارات، وأجبرت عشرات الآلاف على النزوح، فيما سجلت حصيلة مأساوية من الضحايا والخسائر الاقتصادية.
وفي الجانب الآخر من الكرة الأرضية، دقت الأبحاث ناقوس الخطر حول غابات الأمازون، التي تُوصف بأنها “رئة العالم”، حيث يهددها الجفاف وإزالة الغابات بالتحول إلى سافانا جافة خلال أقل من قرن، وهو تحول إذا وقع، سيغيّر ميزان المناخ العالمي ويقضي على أهم مخزون طبيعي لامتصاص الكربون.
وسط هذه الكوارث، أصدرت محكمة العدل الدولية رأيًا تاريخيًا اعتبرت فيه أن تغير المناخ انتهاك لحقوق الإنسان والقانون الدولي، فاتحة الباب أمام تحركات قضائية عالمية لمحاسبة الدول والشركات على “الخسائر والأضرار” الناتجة عن التغير المناخي، حتى لو كان القرار غير ملزم قانونيًا.
إن ما نشهده اليوم ليس تحذيرًا مستقبليًا، بل حقيقة تتكشف أمام أعيننا: موجات حر غير مسبوقة، ذوبان متسارع للأنهار الجليدية، حرائق هائلة، وجفاف يهدد الأمن الغذائي والمائي للبشرية.
السؤال الذي يفرض نفسه: هل لا يزال أمامنا وقت لتفادي نقطة اللاعودة؟
الإجابة تعتمد على إرادة العالم في التحرك بجدية، عبر خفض الانبعاثات، دعم الطاقات النظيفة، وإلزام الدول الصناعية الكبرى بمسؤولياتها التاريخية تجاه الكوكب.
لقد صار التغير المناخي قضية أمن عالمي، لا تقل خطورة عن الحروب والنزاعات. فإما أن يتوحد العالم لمواجهة الخطر، أو نترك للأجيال القادمة إرثًا من الخراب والانهيار.

