(الجزء الثالث)
كبرت سارة،
لكن الدائرة القديمة كانت ما زالت ترافقها،
تضيق حين تخطئ،
وتُذكّرها دائمًا أنها مطالَبة بإثبات ما لا يُطلب من غيرها.
وفي أحد الأيام، كانت في عملها الجديد،
تحاول أن تفعل كل شيء بإتقان مبالغ فيه،
كعادتها دائمًا.
أنهت مهمة كبيرة، استغرقت منها وقتًا وجهدًا،
لكن زميلة أخرى نسبت الخطأ إليها في تفصيلة صغيرة لم تكن مسؤولة عنها.
ساد الصمت في الغرفة.
الأنظار اتجهت إلى سارة.
لأول مرة، شعرت بنفس الإحساس القديم:
ذلك الانقباض في الصدر،
وذلك الصوت الداخلي الذي يقول:
أكيد الغلط منك… زي دايمًا.
فتحت فمها لتعتذر…
ثم توقفت.
شيء ما تغيّر.
نظرت حولها،
وسألت نفسها سؤالًا بسيطًا لكنه حاسم:
هو ليه لازم أتحمل ذنب مش ذنبي؟
رفعت رأسها، وتكلمت بهدوء غير معتاد:
سارة:
أنا مسؤولة عن الجزء ده فقط،
والخطأ حصل في خطوة تانية مش من شغلي.
لم يكن صوتها عاليًا،
ولا دفاعيًا،
كان ثابتًا… صادقًا.
ساد صمت قصير،
ثم تراجع الاتهام.
في تلك اللحظة،
لم تنتصر سارة على زميلتها،
بل انتصرت على شيء أعمق:
الفكرة القديمة أنها دائمًا المخطئة.
عادت إلى بيتها ذلك اليوم،
وجلست وحدها،
تفكّر.
لأول مرة، لم تُجلد نفسها،
ولم تبحث عن عيبٍ فيها.
نظرت إلى الماضي بنظرة مختلفة،
ورأت الطفلة التي حاولت كثيرًا…
ولم يُنصفها أحد.
شعرت بشيء جديد يتسلل إليها:
تعاطف مع نفسها.
بدأت سارة تتعامل مع ذاتها كما كانت تتمنى أن يعاملها أحد:
تُقدّر مجهودها،
تسامح أخطاءها،
وتتوقف عن الاعتذار عن وجودها.
تعلمت أن تقول “لا” دون ذنب،
وأن تحب نفسها دون انتظار إذن،
وأن تفهم أن التفضيل الذي حُرمت منه يومًا
لا يحدد قيمتها الآن.
ومع الوقت،
لم تصبح الحياة مثالية،
لكنها أصبحت أهدأ.
أخف.
أصدق.
السعادة لم تأتِ كحدث كبير،
بل جاءت كإحساس داخلي بالسلام،
كشعور بأنها لم تعد عدوة نفسها.
فقرة توعوية
في النهاية،
الحقيقة التي لا نحب سماعها، لكنها الأصدق:
لا أحد سيهتم بصحتك النفسية أكثر منك.
البيت قد يخطئ،
والناس قد تظلم،
والطفولة قد تترك جروحًا عميقة،
لكن الاستمرار في جلد الذات قرار يمكن كسره.
أن تحب نفسك ليس أنانية،
بل ضرورة.
وأن تحمي سلامك النفسي ليس ضعفًا،
بل وعي.
إن كنت يومًا “غير المفضَّل”،
فتذكّر:
قيمتك لا تُحدَّد بنظرة أحد،
وشفاؤك يبدأ حين تقرر أن تكون في صف نفسك…
تمت

