لم تعد الحروب تُقرأ بظاهرها أو تُفسَّر بأحداثها المباشرة، بل باتت تُدار في عمقٍ خفيٍّ تتداخل فيه الاستراتيجيات الكبرى وتُرسم خرائطه بعيدًا عن أعين المتابعين. فما يجري اليوم ليس مجرد حرب بين إيران وإسرائيل، كما قد يتبادر إلى الأذهان، بل أقرب إلى بروفةٍ واسعة النطاق لصدامٍ عالميٍّ أكبر، تُكتب فصوله في منطقة الخليج، وقد تمتد نهاياته إلى تخوم شرق آسيا، حيث تقف تايوان كواحدة من أكثر بؤر التوتر حساسية في العالم.
إن الولايات المتحدة، في هذا السياق، لا تخوض صراعًا تقليديًا بهدف إسقاط نظامٍ بعينه، بقدر ما تسعى إلى إيقاف مسار قوة صاعدة تُدعى الصين، عبر استراتيجية مركّبة تبدأ بخنق مصادر الطاقة، وتمرّ بتعطيل طرق التجارة الحيوية، وعلى رأسها طريق الحرير، وتنتهي – إن لزم الأمر – بضربةٍ كبرى تُعيد تشكيل موازين القوى العالمية. غير أن الصدمة الحقيقية تكمن في معطياتٍ مقلقة، إذ تشير الوقائع إلى أن 85% من الصواريخ الإيرانية لم تتجه نحو إسرائيل، بل سقطت على دول الخليج، لتجد هذه الدول نفسها، وهي الحليفة لواشنطن، في مرمى النيران، دون مظلة حماية حقيقية بالقدر الذي كان يُتصوَّر.
وفي المقابل، تبدو إيران ككيانٍ منهك، بقيادةٍ غامضة، يتصدر فيها الحرس الثوري المشهد، وسط تهديداتٍ مفتوحة قد تعيد تشكيل المنطقة بأسرها، في ظل حالةٍ من التراكب والتبدّل المستمر في الأهداف، وكأن الحرب تُدار بلا خريطةٍ واضحة المعالم. غير أن المفاجأة الأخطر لا تكمن في الخليج ولا في إيران، بل في ذلك السؤال الذي يُتداول همسًا ولا يُقال جهرًا: إذا كانت سماء دولة بحجم إيران قد أصبحت مستباحة إلى هذا الحد، فماذا عن دولٍ أخرى في الإقليم، وعلى رأسها مصر؟ وهل سماؤها محصّنة بالفعل، أم أن ما نشهده اليوم قد يتكرر، بصورةٍ أو بأخرى، في سياقاتٍ مختلفة؟
ويزداد المشهد تعقيدًا حين يُستحضر عامل الشخصية السياسية، حيث يبرز دونالد ترامب كنموذجٍ للغموض الاستراتيجي، بوجهٍ أقرب إلى “الجوكر”، يصعب قراءته أو التنبؤ بخطواته، حتى من أقرب المقربين إليه، وهو ما يعكس طبيعة المرحلة التي تُدار فيها الصراعات بعقليةٍ غير تقليدية، تتجاوز الحسابات الكلاسيكية إلى مفاجآتٍ غير محسوبة.
ومن ثم، فإن الحرب الحقيقية لا تدور في إيران بقدر ما تدور بين قوتين عظميين على المسرح الدولي: الولايات المتحدة والصين. وفي هذا الإطار، يمكن قراءة الخطوات الأمريكية الأخيرة، حيث تم قطع نحو 800 ألف برميل من النفط الفنزويلي عن الصين، ومع تصاعد الحرب في إيران، تم تعطيل ما يقارب 1.5 مليون برميل يوميًا من الإمدادات، لتصل نسبة الانخفاض إلى نحو 20% من واردات النفط الصينية، وهو ما يمثل ضغطًا استراتيجيًا بالغ التأثير على اقتصاد بكين.
وليس هذا النهج وليد اللحظة، بل هو امتدادٌ لقاعدة تاريخية مفادها أن اقتراب قوة صاعدة من مزاحمة قوة قائمة يجعل الصدام أمرًا حتميًا. فقد اندلعت الحرب العالمية الأولى مع صعود ألمانيا في مواجهة بريطانيا، ثم جاءت الحرب العالمية الثانية نتيجة صعود ألمانيا واليابان في مواجهة بريطانيا والولايات المتحدة، فيما شكّلت الحرب الباردة انعكاسًا لصعود الاتحاد السوفيتي في مواجهة واشنطن. واليوم، تقف الصين على أعتاب التفوق الاقتصادي والعسكري، مع توقعاتٍ بتجاوز الولايات المتحدة بحلول عام 2030، ما يدفع الأخيرة إلى التحرك الاستباقي لإضعاف مصادر قوة بكين.
وتعتمد الصين في إمداداتها للطاقة على أربعة مصادر رئيسية: روسيا، التي أُثقلت بالعقوبات الأمريكية على خلفية حرب أوكرانيا؛ وفنزويلا، التي جرى تقليص قدرتها على التصدير؛ وإيران، التي أصبحت ساحة مواجهة مباشرة أدت إلى قطع إمداداتها النفطية؛ وأخيرًا السعودية، التي تأثر إنتاجها بفعل تداعيات الحرب. وإلى جانب ذلك، تعثّر مشروع طريق الحرير، الذي كان يُمثل شريانًا حيويًا للتجارة الصينية، مما يزيد من حدة الضغوط المفروضة عليها.
وعند هذه النقطة، تتجه الأنظار إلى تايوان، التي تمثل مركزًا عالميًا للسيطرة على الصناعات التكنولوجية المتقدمة، لتكون – على الأرجح – المرحلة الأخيرة في مسار المواجهة بين واشنطن وبكين، بعد إضعاف الصين على المستويين النفطي والتجاري. وهكذا، يمكن القول إن الولايات المتحدة تسعى من خلال هذه الحرب إلى تحقيق خمسة مكاسب استراتيجية: قطع مصادر الطاقة عن الصين، وتعطيل طرقها التجارية، وإعادة تشكيل الشرق الأوسط بما يضمن سيطرة حلفائها، وتحميل دول الخليج كلفة الصراع، وأخيرًا إضعاف الصين تمهيدًا لمواجهتها في تايوان.
وبهذا المعنى، لا تبدو الحرب الراهنة مجرد نزاعٍ إقليمي عابر، بل فصلًا من صراعٍ دولي أعمق، تُعاد فيه كتابة قواعد القوة والنفوذ، في عالمٍ لم يعد يحتمل صعود منافسين جدد دون أن يدفعوا ثمن ذلك في ميادين مفتوحة، تتجاوز حدود الجغرافيا إلى آفاق النظام الدولي بأسره.

