بقلم: دكتورة دعاء معاطي
ما الذي أغضبك يا أبيض إلى هذا الحد؟ أوَما زلت تصدق أكاذيب بوسيدون الإغريقية؟ بل أعلم أنك ما صدقتهم يومًا ما، وقد أخبر محمد صلى الله عليه وسلم عنك بأنك آية من آيات الله في خلقه، كما كان يعلمني معلم القرآن الكريم. تعلق قلبي بك منذ الطفولة، أسمع عنك الأهوال، ولكن آتيك كل عام فأراك ضاحكًا، جامعًا للأحبة، مضحكًا للأطفال. يأتي كبار السن ويجلسون على ضفافك، يغرسون سيقانهم في رمالك طالبين منك العلاج يا طبيب.
ولكن بالأمس وجدت سماءك تبكي في عز الحر، وأمواجك تصرخ وتضرب الشط. تحولت الضحكات إلى صرخات، والعيون المسحورة بجمالك إلى عيون هاربة، وفرَّ الأطفال إلى أحضان أمهاتهم. ذهبت إلى المكان الذي جعلك الله فيه آية: “مَرَجَ البَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَّا يَبْغِيَانِ” [الرحمن: 19-20]. كنت آتيك كل عام فأرى النيل العذب يسير بهدوء بجوارك وأنت ملحٌ في هدوء، كلاكما يسير في معية الله الخالدة، لا تتغير خصائص أحدكما عن الآخر. ولكني اليوم وجدت العذب جالسًا هادئًا في مكانه، وأنت غاضبٌ تضرب أمواجك الطرقات والصخور.
أعلم أن ما يغضبك هو أن قلبك الأبيض الطاهر ما عاد قادرًا على تحمل ذنوب البشر التي يلقون بها فيك كل عام. لم يعد يتحمل الغدر والخيانة والكذب، ولم يعد يستطيع تحمل عدم حب الخير للغير.
لا تغضب يا أبيض، فلا تزال هناك القلوب البيضاء بداخل البشر. لا يزال بيننا التقيُّ بحق، والحنون، والأم التي تحمل أبناءها حتى لو كانت بمفردها، والمخلصون الذين يذكرون بعضهم حتى وإن كان أحدهم تحت التراب. لا يزال بيننا الشريف المحب بدون غرض، ولا يزال بيننا العفيف.
لا زلنا نحبك وإن غضبت، ونعلم أنك ما فرقت أحدًا من الغارقين بالأمس، بل نفذت إرادة الخالق، فقد انتهت أعمارهم على أعتابك. سلام الله عليك يا رابط القارات، وراسم الفرحة والضحكات.


