كتب عصران الراوي
في مثل هذا اليوم السابع عشر من سبتمبر عام 1978 وقع الرئيس المصري أنور السادات ورئيس الوزراء الإسرائيلي مناحيم بيغن اتفاقية كامب ديفيد برعاية الرئيس الأمريكي جيمي كارتر في منتجع كامب ديفيد بولاية ميريلاند الأمريكية مثل هذا الاتفاق حدثا تاريخيا غير موازين المنطقة وأطلق أول عملية سلام حقيقية بين دولة عربية وإسرائيل
كانت اتفاقية كامب ديفيد خطوة مفصلية فتحت الطريق إلى توقيع معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية في مارس 1979 والتي أنهت رسميا حالة الحرب بين البلدين بعد عقود من الصراع العسكري والسياسي كما أرست هذه الاتفاقية واقعا جديدا في الشرق الأوسط حيث مثلت أول اعتراف متبادل بين القاهرة وتل أبيب وأول التزام واضح من إسرائيل بالانسحاب من أراض محتلة في مقابل ضمانات أمنية وسياسية
لكن الاتفاق لم يمر دون جدل عربي واسع فقد قوبل برفض شديد من غالبية الدول العربية آنذاك وتم تجميد عضوية مصر في جامعة الدول العربية ونقل مقرها من القاهرة إلى تونس كعقوبة سياسية اعتبرت عواصم عربية أن السادات خرج عن الإجماع العربي وفتح باب التطبيع مع إسرائيل دون حل شامل للقضية الفلسطينية هذا الانقسام أحدث شرخا في النظام العربي الرسمي ظل تأثيره ممتدا لعقود تالية
أهمية كامب ديفيد لم تتوقف عند العلاقات المصرية الإسرائيلية بل امتدت لتشكل نموذجا لمسار التسويات السياسية في المنطقة فقد رسخت فكرة أن المفاوضات المباشرة يمكن أن تكون بديلا للحروب وأرست حجر الزاوية لمنظومة استقرار إقليمي ما زالت تؤثر في حسابات القوى الكبرى حتى اليوم
وعلى خطى كامب ديفيد جاءت اتفاقية أوسلو بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل عام 1993 ثم معاهدة وادي عربة بين الأردن وإسرائيل عام 1994 حيث استلهمت هذه الاتفاقيات مسار التفاوض المباشر والاعتراف المتبادل الذي دشنته مصر غير أن النتائج تباينت فبينما نجحت مصر في استعادة سيناء وترسيخ معادلة سلام مستقرة ظلت القضايا الفلسطينية عالقة وأصبحت أوسلو نفسها مثارا للجدل والانتقاد بعد تعثرها بذلك مثلت كامب ديفيد المرجعية الأولى لبقية الاتفاقيات العربية الإسرائيلية سواء كمثال يحتذى أو كحالة مثيرة للجدل السياسي
بعد مرور سبعة وأربعين عاما على هذا الحدث يظل اتفاق كامب ديفيد علامة فارقة في التاريخ السياسي العربي والإقليمي فهو من ناحية جنب المنطقة المزيد من الحروب والخسائر ومن ناحية أخرى فتح نقاشا عميقا حول جدوى السلام وشروطه ومكاسبه السياسية والاقتصادية والأمنية وبين مؤيد يرى أنه أنقذ مصر وحقق لها استعادة سيناء ومعارض يعتبره تنازلا استراتيجيا يبقى الاتفاق حقيقة تاريخية صنعت منعطفا جديدا في مسار الشرق الأوسط
إن ذكرى كامب ديفيد ليست مجرد محطة تاريخية بل تذكير بقدرة القرارات السياسية الشجاعة على إعادة صياغة خريطة المنطقة وتحديد مساراتها لعقود طويلة قادمة

