بقلمي / علوي القاضي.
… منذ أعوام قدمت القناة السادسة برنامج إسمه (رمضان في رمضان) ، وكانت فكرة جديدة تقوم علي حلقات طوال شهر رمضان وتستضيف كل حلقة رجلاً إسمه (رمضان) ليتكلم عن تجربته مع شهر رمضان
… نفس الفكرة أراد أن يكررها فريق الإعداد في أحدى القنوات التي كنت أتشرف بزيارتها كل أسبوعين لتقديم برنامج العلم والإيمان (وفي أنفسكم أفلا تبصرون) ، ولكن لضمان عدم التكرار والتقليد أسموه (عم صيام في شهر الصيام) ولحسن حظي فقد حضرت تسجيل أول حلقة والتي لم تذاع حتي الٱن ، تمت إستضافة عم صيام
… أذكر هذا جيدًا لأن عم (صيام الشهير بهندازة) أشهر خياط في حي (روض الفرج) كان ضيف الحلقة الأولي وبصرف النظر عن البرنامج والحكم عليه ، فإنه لم يكتب له النور حتى الٱن ، فإنني وجدت الفكرة لا بأس بها
… وهذا يذكرني بأن أقرب الشهور إلي التجسد في صورة بشرية هو شهر رمضان (شهر الصيام)
… أثناء تسجيل الحلقة الأولى ، عم (صيام) العجوز الطيب الكريم ذو اللحية البيضاء ، والرأس التي إشتعلت شيبا ، والوجه الذي ملأته السنون بالتجاعيد ، حكى ذكرياته في (شهر الصيام) ، فقد كان يمشي في الشوارع ليلاً ويحمل فانوسًا ملونًا جميلاً وتمتلئ جيوبه بالمكسرات والحلوي التي يوزعها على الأولاد ، وتحدث عن الفانوس الجميل المصنوع من الصفيح ، والذي ينبعث منه رائحة الشمع المحترق ، ذلك الفانوس الذي صنعه أسطي سمكري في حارة من حواري حي (السيدة زينب) أو حي (شبرا) ، وهي تلك المنطقة الشعبية التي تفوح بالتاريخ والتي ارتوت أرضها بعرق الصنايعية منذ عهد الفاطميين ، مثل سوق السلاح أو ش. عبد العزيز أو السيدة نفيسة أو سيدنا الحسين أو روض الفرج مايجب عليك إلا أن تكون قاهريا جدًا لتعرف معني وماهية هذه الأسماء والأحياء
… وحكى عم (صيام) العجوز الطيب أنه كان يحرص على أن يمشي في الشوارع ليستوثق من أن الزينة معلقة عند باب كل حارة ، وأن المسحراتي يقوم بعمله ولم ينم ، وأن بائع الفول باع بضاعته كلها ، ويتأكد من أن الكنافة تنضج فوق الفرن الأسطواني المصنوع في الشارع ليحول العجين إلي تلك الخيوط ذات المذاق الشهي
… حكى عم (صيام) أنه لايصغي إلا لصوت تواشيح (النقشبندي) ، ويسمع القرآن بصوت (الشيخ رفعت) ، ويسمع حديث (الشيخ الشعراوي) ، فهي أصوات قادمة من القلب مباشرة وإلى القلب
… عم (صيام) العجوز يمشي في تؤدة قبل الغروب يتجه حاملاً إناءه المملوء بقمر الدين إلي المكان الذي يربض فيه مدفع الإفطار في (حي القلعة) ، فيشرف بنفسه على تجهيزه وحشوه بالورق والبارود ، وعلي إطلاقه لترتج المدينة كلها ، بصوته الضخم الذي يرج البيوت المحيطة ويملأها بالدخان الناتج عن حرق مكوناته من الورق ، ثم يصب كوبًا باردًا منعشًا للعسكري المسؤول
… عم (صيام) لايفطر ، إنه يمشي في الشوارع الخالية ، ليتأكد من أن جميع النوافذ مضاءة ، وأن الأسر كلها ملتفة حول الطعام ، وأن صوت (النقشبندي) ما زال يتصاعد من مكان ما ، ثم يراقب أول من ينزل من بيته قاصدًا المسجد لصلاة العشاء والقيام
… عم (صيام) بسرده لطقوس شهر الصيام في حقبة من الزمن ووصفة التفصيلي ، عاد بي إلي فترة الطفولة والصبى ، حيث كانت الحياة سهلة وبسيطة يغلفها الرضا والحمد فلكل عصر زهوته وجماله
… كل عام وانتم بخير
… تحياتي …

