كان يبتسم كما لو أن الابتسامة جزء ثابت من ملامحه،
كأنها خُلقت معه ولم يكتسبها مع الوقت.
لم تكن ابتسامته صاخبة،
ولا لافتة،
كانت تلك الابتسامة الهادئة التي تطمئن الآخرين، وتربك أصحابها فقط.
تعوّد أن يسمع: — ما شاء الله عليك… دايمًا مبتسم.
ولم يخطر ببال أحد أن يسأله:
هل تبتسم لأنك بخير، أم لأنك لا تعرف ماذا تفعل غير ذلك؟
الابتسامة كانت طريقته في النجاة.
حين يختنق، يبتسم.
حين يُهان، يبتسم.
حين ينهكه الصمت، يبتسم أكثر.
لم يتعلم الشكوى،
تعلم فقط كيف يُخفي.
كان يعتقد أن التماسك فضيلة،
وأن التعب ضعف،
وأن البوح رفاهية لا يملكها من تعوّد أن يكون “الداعم” للجميع.
تمر الأيام وهو يؤدي الدور بإتقان،
حتى نسي أين ينتهي الدور
وأين يبدأ هو.
في ذلك الصباح، وقف في طابور طويل داخل مصلحة حكومية.
المكان مكتظ، الهواء ثقيل، والوجوه متعبة.
ومع ذلك… كان يبتسم.
يحمل ملفًا أزرق مهترئًا، يضغط عليه بيده اليسرى،
وبيده الأخرى يُعدل ياقة قميصه كأن النظام الخارجي قد يعوّض الفوضى الداخلية.
خلفه وقف رجل مسن، يتكئ على عصاه، أنفاسه متقطعة.
التفت إليه، ابتسم تلقائيًا، وقال: — «تحب تقف مكاني؟»
رد العجوز بابتسامة واهنة: «ربنا يخليك يا ابني… لسه قادر.»
عاد ينظر للأمام.
الدقائق تمر ببطء خانق.
أصوات احتجاج، أوراق تُقلب بعنف، موظف يصرخ بلا سبب واضح.
وفجأة…
سقط الرجل العجوز.
لم يكن سقوطًا دراميًا،
بل انهيارًا صامتًا، يشبه تمامًا الطريقة التي كان ينهار بها من الداخل كل يوم.
انحنى سريعًا، أمسك برأسه، شعر ببرودة غير مطمئنة.
العينان نصف مفتوحتين، والفم يتمتم باسم لا يعرفه أحد.
تجمهر الناس.
تداخلت الأصوات: — «كلموا إسعاف!»
— «جيبوا مية!»
— «سيبوه… ده كبير في السن.»
توقف الزمن عند الجملة الأخيرة.
سيبوه.
نظر حوله.
نفس الوجوه التي تقف يوميًا في طابور الاحتمال،
نفس اللامبالاة المقنّعة بالتعب.
خرج صوته مبحوحًا: «إزاي نسيبه؟»
ضغط على يد العجوز،
كانت خفيفة…
خفيفة كما شعر هو بنفسه طوال سنوات.
وصلت الإسعاف بعد دقائق بدت له دهورًا.
أخذوا الرجل،
لم يعرف إن كان سيعيش أم لا.
لكنّه عرف شيئًا واحدًا فقط:
أن الابتسامة لم تعد تنفع.
خرج من المصلحة،
الملف الأزرق ما زال في يده،
لكن قبضته لم تعد ثابتة.
جلس على الرصيف،
ولأول مرة منذ زمن،
سمح لوجهه أن يستريح من التمثيل.
اتصل برقم كان يؤجله دائمًا.
قال بهدوء خالٍ من الزينة: «أنا تعبان… ومحتاج مساعدة.»
وأغلق الهاتف.
أحيانًا لا نصل إلى الانهيار لأننا ضعفاء،
بل لأننا أقوياء أكثر مما ينبغي…
إلى أن يأتي الطابور الأخير.

