بِقَلَمِ دُكْتُورَةِ دُعَاء مَعَاطِي
أَتَحَدَّثُ بِلِسَانِ جِيلٍ، لَا ذَنْبَ لَهُمْ فِيمَا تَرَكْنَاهُ يُصَبُّ فِي عُقُولِهِمْ. جَمِيعُهُمْ فِي جُيُوبِهِمْ أَقْلَامٌ، وَلَكِنَّ عُقُولَهُمْ تَصْرُخُ كُلَّ يَوْمٍ: “عَزَّ الزَّادُ، مَاذَا أَفْعَلُ بِالقَلَمِ الَّذِي بِجَيْبِي؟ مَاذَا أَكْتُبُ؟” وَهُنَا يَكْمُنُ دَوْرُنَا جَمِيعًا فِي تَنْمِيَةِ مَهَارَاتِ القِرَاءَةِ لَدَى هَذَا الجِيلِ الَّذِي لَنْ أَصِفَهُ كَمَا يَصِفُهُ البَعْضُ بِـ**”اللَّامُبَالَاةِ وَجِيلِ النِّتْ”**؛ عِبَارَاتٌ أَسْمَعُهَا كُلَّ يَوْمٍ. هُوَ الجِيلُ الضَّحِيَّةُ.
عِنْدَمَا كُنْتُ أَنَا وَزُمَلَائِي فِي الصِّغَرِ، لَا نَجِدُ مَا نَفْعَلُهُ، نُفَرِّغُ حَقَائِبَنَا وَنُخْرِجُ أَوْرَاقَ المَجَلَّاتِ الَّتِي لَفَّتْ لَنَا أُمَّهَاتُنَا البَسِيطَةُ السَّنْدَوِتْشَاتِ فِيهَا دُونَ الانْتِبَاهِ إِلَى مَادَّةِ الخَبَرِ. نُخْرِجُهَا وَنَقْرَأُ كُلَّ حَرْفٍ فِيهَا فِي تَبَارٍ وَمُنَافَسَةٍ عَلَى القُدْرَةِ عَلَى أَنْ يَقْرَأَ وَيُلْقِي كُلُّ مِنَّا مَا قَرَأَ فِي إِلْقَاءٍ. عَلَّمَنَا هَذِهِ العَادَةَ مُعَلِّمُ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ الَّذِي كَانَ عِنْدَمَا يَشْتَرِي قِرْطَاسًا بِهِ لُبٌّ أَوْ أَيُّ شَيْءٍ، يَفُكُّ الوَرَقَةَ وَيَقْرَأُ كُلَّ مَا فِيهَا وَيَضْحَكُ: “أَقْرَأُ كُلَّ وَرَقَةٍ تَقَعُ فِي يَدِي”. كَانَتِ القُلُوبُ بَسِيطَةً، وَالحَيْطَةُ مِنَ الأَحْبَارِ أَقَلَّ، وَلَكِنْ تَعَلَّمْنَا عَادَةَ أَنْ نَقْرَأَ كُلَّ مَا فِي أَيْدِينَا، وَلَيْسَ نَقْرَأُ فَقَطْ، بَلْ نَقْرَأُ وَنَنْقُدُ. مَاذَا أَعْدَدْنَا لِأَجْيَالِ المُسْتَقْبَلِ؟ تَرَكْنَا هَوَاتِفَ فِي أَيْدِيهِمْ وَتَرَكْنَاهُمْ صَيْدًا لِأَشْخَاصٍ مُنْتَشِرِينَ عَلَى السُّوشِيَالْ مِيدْيَا كَغِرْبَانِ الغِيطَانِ تَخْطَفُ مِنْ عُقُولِهِمْ كُلَّ مَا هُوَ ثَمِينٌ، وَتَزْرَعُ كُلَّ مَا هُوَ حَقِيرٌ وَسَامٌّ.
دَوْرُ المُنَظَّمَاتِ التَّعْلِيمِيَّةِ فِي تَنْمِيَةِ مَهَارَاتِ القِرَاءَةِ
القِرَاءَةُ هِيَ زَادُ العَقْلِ. القِرَاءَةُ هِيَ مَنْ حَوَّلَتْ سَاكِنَ الكُهُوفِ الَّذِي كَانَ يَرْسُمُ السَّمَكَةَ وَالبَحْرَ لِيَتْرُكَ رِسَالَةً لِزَوْجَتِهِ يُخْبِرُهَا أَنَّهُ خَرَجَ لِيَصْطَادَ، إِلَى مُسَجِّلٍ لِلتَّارِيخِ.
دَوْرُ المُنَظَّمَاتِ التَّعْلِيمِيَّةِ أَنْ تُحَوِّلَ القِرَاءَةَ عِنْدَ الأَجْيَالِ مِنْ ظَاهِرَةٍ تَعْلِيمِيَّةٍ إِلَى عَادَةٍ، وَلَا أُبَالِغُ إِذَا حَدَّدْتُ دَوْرَهَا فِي أَنْ تُقْنِعَ جِيلًا أَنَّ القِرَاءَةَ عِبَادَةٌ. هِيَ الأَمْرُ الأَوَّلُ لِنَبِيِّ اللهِ مُحَمَّدٍ فِي قَوْلِ رَبِّ العِزَّةِ لَهُ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾. حَيْثُ حَرَصَ اللهُ تَعَالَى أَنْ يَكُونَ نَبِيُّهُ مُحَمَّدٌ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- النَّبِيَّ الخَاتَمَ أَنْ يَكُونَ قَارِئًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُعَلِّمْهُ أَحَدٌ فَعَلَّمَهُ جِبْرِيلُ. أَمَّا مُوسَى -عَلَيْهِ السَّلَامُ- كَانَ قَارِئًا فَلَمْ يَأْتِهِ الأَمْرُ؛ لِأَنَّهُ تَرَبَّى فِي قَصْرِ فِرْعَوْنَ. وَعِيسَى -عَلَيْهِ السَّلَامُ- عَلَّمَتْهُ مَرْيَمُ العَذْرَاءُ القِرَاءَةَ الَّتِي تَرَبَّتْ فِي الدَّيْرِ. فَالقِرَاءَةُ وَاجِبٌ مُقَدَّسٌ فِي كُلِّ الأَدْيَانِ، وَيَتَمَثَّلُ دَوْرُ المُنَظَّمَاتِ التَّعْلِيمِيَّةِ فِي التَّرْسِيخِ أَنَّ القِرَاءَةَ عِبَادَةٌ، وَإِنْ أَجَادُوا القِرَاءَةَ تَحَوَّلَتْ أَقْلَامُهُمْ لِحَضَارَةٍ.
أَنْوَاعُ القِرَاءَةِ
* القِرَاءَةُ الجَهْرِيَّةُ: وَهِيَ تَعْوِيدُ المُتَعَلِّمِ عَلَيْهَا بِاسْتِخْدَامِ المُخِّ وَاللِّسَانِ وَالعَيْنِ. وَمِنْ فَوَائِدِهَا أَنَّهَا تُعَلِّمُ الشَّخْصَ فَصَاحَةَ المَنْطِقِ وَالتَّفْكِيرَ فِيهِ قَبْلَ أَنْ يَنْطِقَهُ، وَتَنْمِيَةَ مَهَارَاتِ النُّطْقِ وَالتَّحَدُّثِ أَمَامَ الجُمْهُورِ وَزِيَادَةَ الثِّقَةِ بِالنَّفْسِ. القِرَاءَةُ الجَهْرِيَّةُ هِيَ مَنْ عَلَّمَتْنَا أَنْ نُمْسِكَ بِالمَايْكِ بِدُونِ إِعْدَادِ الكَلِمَاتِ فَنَتَحَدَّثُ وَنُعَبِّرُ.
* القِرَاءَةُ الصَّامِتَةُ: التَّدْرِيبُ عَلَى القِرَاءَةِ الصَّامِتَةِ هُوَ القِرَاءَةُ بِدُونِ صَوْتٍ وَإِعْمَالِ الشَّفَتَيْنِ. وَمِنْ مَزَايَاهَا أَنَّهَا تُوَفِّرُ الجُهْدَ وَالوَقْتَ، وَتُسَاعِدُ المُتَعَلِّمَ عَلَى التَّعَمُّقِ وَالفَهْمِ الضِّمْنِيِّ لِمَا بَيْنَ السُّطُورِ.
* القِرَاءَةُ النَّاقِدَةُ: هِيَ عَمَلِيَّةٌ تَحْلِيلِيَّةٌ لِلنُّصُوصِ وَتَعْوِيدُ المُتَعَلِّمِ عَلَى الخُرُوجِ بِأَكْبَرِ قَدْرٍ لِأَفْكَارٍ مِمَّا قَرَأَ وَإِبْدَاءِ رَأْيِهِ فِيمَا قَرَأَ.
* القِرَاءَةُ الإِبْدَاعِيَّةُ: هِيَ عَمَلِيَّةُ تَفَاعُلِ القَارِئِ مَعَ النَّصِّ وَإِقَامَةِ رَوَابِطَ بِخِبْرَتِهِ السَّابِقَةِ، وَتَنْمِيَةُ مَهَارَةِ المُرُونَةِ وَالأَصَالَةِ وَالطَّلَاقَةِ وَحَلِّ المُشْكِلَاتِ وَالابْتِكَارِ.
أَيْنَ جِيلُ اليَوْمِ مِنْ كُلِّ هَذَا؟ هَلْ زَوَّدْنَاهُ بِكُلِّ هَذِهِ الفُنُونِ لِلْقِرَاءَةِ قَبْلَ أَنْ نَصِفَهُ بِـ**”هَشَاشَةِ الرَّأْيِ”**؟ هُوَ جِيلٌ فِي حَاجَةٍ إِلَى قُلُوبٍ رَاقِيَةٍ تَأْخُذُ بِيَدِهِ إِلَى بَرِّ السَّلَامِ، تُعِدُّ لَهُ طَعَامًا عَقْلِيًّا صَحِيحًا لِيَعِيَ كُلَّ مَا يَسْمَعُ. لَوْ أَخَذْنَا بِهَذَا الجِيلِ إِلَى القِرَاءَةِ لَوَلَّى ظَهْرَهُ لِكُلِّ مَا يَجْذِبُهُ الآنَ مِنْ تَفَاهَاتٍ وَعَاشَ فِي بَحْرِ القِرَاءَةِ وَتَمَتَّعَ.
حُلُولٌ وَمُقْتَرَحَاتٌ
* إِنْزَالُ رَسَائِلِ الدُّكْتُورَاهِ وَالمَاجِسْتِيرِ الخَاصَّةِ بِتَنْمِيَةِ مَهَارَاتِ القِرَاءَةِ وَدَمْجُهَا فِي الخُطَطِ المَدْرَسِيَّةِ.
* إِعَادَةُ هَيْكَلَةِ تَدْرِيبِ المُعَلِّمِينَ بِأَنْ يُحِبَّ هُوَ القِرَاءَةَ وَيُعَلِّمَهَا لِلْمُتَعَلِّمِ بِجَمِيعِ فُنُونِهَا.
* عَقْدُ وَرَشٍ تَعْلِيمِيَّةٍ لِتَعْلِيمِ مَهَارَاتِ القِرَاءَةِ لِكُلِّ مُتَعَلِّمٍ.
الخُلَاصَةُ: القِرَاءَةُ تُحَوِّلُ المُتَعَلِّمِينَ إِلَى أَصْحَابِ أَقْلَامٍ وَمُنْتِجِينَ فِكْرِيِّينَ؛ فَقَطْ نُعْطِيهِمُ الزَّادَ الَّذِي يَمْلَأُ عُقُولَهُمْ لِيُفَرِّغَهُ عَلَى أَوْرَاقٍ وَيَنْقُلَهُ لِمَنْ يَأْتِي بَعْدَهُ مِنْ أَجْيَالٍ.

