بقلم د.عبدالهادي الكناني
في عالم المشاعر والتجارب، يعلم القلب أحيانًا أنه يجب عليه أن يختار الطريق الصحيح، سواء كان ذلك بمخالفة مشاعره أو بالابتعاد عن ما قد يحول أيامه إلى سواد ودمار. الحب، رغم جماله وعظمته، هو أيضًا سلاح ذو حدين، يمكن أن يملأ القلب بالفرح، لكنه في الوقت ذاته قد يتحول إلى مصدر لعذابه المستمر، إذا لم يُحسن الإنسان اختيار طريقه.
الحقيقة المؤلمة أن الحب، إذا دخل حياة الإنسان بغرض التعلق المبالغ فيه أو الاندفاع غير المدروس، فإنه غالبًا ما يُنْتج الألم والمعاناة، ويحول الأيام الجميلة إلى ليالٍ مظلمة، تعصف بالروح وتجعلها تتألم بصمت. لقد جربت مرارًا أن أُحب وأُعاني، وأن أجد نفسي غارقًا في حب لا ينتهي، رغم أنه يلف حياتي بالعذاب والانتظار والآلام التي لا تنتهي.
ولذا، كان من الحكمة أن أختار طريقًا أبسط وأقل ألمًا، وهو أن أكتفي بصداقة نبيلة وصحيحة، لا تحوي غير الود، وتبني على الاحترام والتقدير، بعيدًا عن أعباء الحب وعبء الانتظار. فالصداقة، بطبيعتها، توفر الأمان، وتمنح القلب استراحة من عناء التعلق والانتظار، وتجعله يكتفي بالحب الصافي الذي لا يترك جرحًا، ويشد من أواصر الروح، بطريقة أكثر سلامًا وطمأنينة.
إنني أؤمن أن الابتعاد عن حب يحمل في طياته ألمًا، هو في الحقيقة حماية للذات، وحكمة تنقذ القلب من الانكسار الدائم. فالحب الذي يتحول إلى سجن، هو حب لا يُحمد عاقبته، ولهذا السبب، أختار أن أعيش على هامش ذلك الحب، وأكتفي بما تبقى لي من صداقات صافية وطيبة، تحفظ لي كرامتي وراحتي النفسية، وتضمن لي حياة أكثر سكينة واستقرارًا.
وفي النهاية، أدرك أن سلام الروح وراحة القلب، يأتيان من الحكمة في الاختيار، وأن الصداقة الحقيقية، أصدق وأبقى من أي حب مؤلم، قد يأتي ليُهدد استقرار حياتنا، ويحول أيامنا الجميلة إلى أيام من الظلام والحزن. فليكن قرارنا دائمًا أن نختار السلام على الألم، وأن نسترخي في حضن الصداقة، فهي أكبر كنز يمكن أن يمنحنا حياة بدون أوجاع، حياة تفيض بالهدوء والطمأنينة.

