بقلم سمر يوسف
إحنا مكعبات صغيرة راكبة فوق بعضها.. تفاصيل متراكمة، ومواقف اترصت بالمظبوط عاشق ومعشوق كل يوم نلاقي ربنا حاطط في إيدنا قطعة جديدة مرة مكعب أصفر زي شمس الصبح تدي أمل، ومرة مكعب ازرق زي البحر يدي هدوء، ومرة مكعب احمر كله حماس ودفا، ومرة مكعب اسود تقيل على القلب، زي لحظة فقد أو خيبة أمل يفكرنا إن الحياة مش دايمًا سهلة. ومرة تيجي قطعة غريبة مالهاش مكان واضح… نقعد نبصلها و نقلبها فى إيدينا ونفكر “دي هتتركب فين؟” ونفضل متبتين عليها ومانفرطش فيها أبدا. ومع الأيام كل قطعة بتركب فوق التانية، وشكلنا يكبر وملامحنا تبان وتتلوّن الصورة اللي بتترسم قدام عينينا.. والمكعب اللي ماكناش عارفين مكانه، كان هو حجر الأساس فينا. الذكريات نفسها قطع مكعبات: ضحكك مع صاحب قديم… كلمة تشجيع في وقت كنا قربنا فيه نستسلم ونقع… دمعة نزلت ومسحتها بسرعة بطرف كمك قبل ماحد يشوفها. لحظة جبر خاطر خفّفت حمل كان تقيل… حتى الوجع والخذلان ليهم مكعبات خاصة، لونهم مش حلو، لكنهم بيكملوا اللوحة. إحنا بنفتكر إن كل موقف صغير عدى وخلاص، لكنه في الحقيقة جزء من القلعة اللي اسمها “إنت”. القلعة اللي بنيتها بإيدك ومكعباتك. حتى الجرح اللي تعبنا، حتى الخوف اللي كتفنا، حتى الفقد اللي كسرنا… كل دى مشاهد أساسية في تكوينك. ربنا بعتهالك مكعب مكعب وبترتيب محدد وكل واحد فى وقته ومكانه. زي المهندس الشاطر ما ينفعش يغلط ويحط قطعة في غير مكانها، ولله المثل الأعلى ربنا ما بيغلطش أبدًا في ترتيب أقدارنا. تخيل نفسك واقف تبص للوحة من قريب، هتشوفها عشوائية، مش مفهومة. لكن لو بعدت خطوة ووسّعت زاوية النظر، هتكتشف إن كل حاجة مترتبة بدقة. زي الفسيفساء… من قريب مجرد فوضى، ومن بعيد لوحة مبهرة. وحلاوة المكعبات في التنوع. ماينفعش تبقى القلعة كلها صفراء بس، أو حمراء بس. برضه حياتنا بالظبط… ماينفعش تبقى كلها فرح من غير دمعة تعلمنا الصبر. ولا كلها وجع من غير ضحكة ترد الروح. أنا مؤمنة إن أجمل اللحظات اللي بنعيشها بتكون نتيجة تراكم كل اللي فات. الراحة اللي بنحسها مع شخص قريب، مبنية على مكعبات ثقة صغيرة اتجمعت مع الوقت. حتى الحلم اللي بِيِجْبرنا نكمل، هو نفسه نتيجة لمكعبات خيبة وتجارب علّمتنا إننا مانستسلمش. وفي الآخر… قلعتنا مش نسخة من حد. كل واحد فينا عنده لوحة مكعبات خاصة بيه. محدش يقدر يركّبها زينا. محدش يقدر يشوفها زي ما إحنا شايفينها. إحنا في الآخر أشبه بطفل بيلعب بمكعباته. البرج يقع منه 100 مرة، بس ما بيزهقش. يضحك ويبدأ من الأول. وأحيانًا يطلع البرج أجمل من اللي قبله. وده اللي بيحصل معانا… نقع، نتكسر، نقول “خلاص مش قادرين”، لكن نقوم ونركب مكعباتنا من جديد. ونتفاجئ إن البرج بقى أطول وأجمل وأقوى. إحنا مزيج من ألوان وأشكال… من حكايات صغيرة، من ضحك ودموع، من لقاءات ووداع وفراق. فلو لقيت في حياتك مكعب غريب أو لون تقيل على قلبك… ما تستعجلش. استنى شوية، وهتشوف إزاي الصورة هتكمل بيه. لأن ولا قطعة بتيجي عبث، ولا مكعب بيتحط غلط. سيب كل مكعب في مكانه… لأنه بيبنيك بالشكل اللي ربنا عاوزه ليك. وصدق إنك ماشي على تخطيط إلهي، كل مكعب فيه لونك الحقيقي.

