لم تكن فعالية اليوم العالمي للمرأة الذى نظمه الاتحاد النسائى للسلام العالمى في فيينا مجرد مناسبة احتفالية، بل شكلت مساحة تحليلية متكاملة عكست تداخل الأبعاد التاريخية والنفسية والاجتماعية والفكرية، مقدمة نموذجًا واضحًا لدور المرأة كفاعل أساسي في تشكيل المجتمعات.
في كلمتها الافتتاحية، لم تكتفِ ريناتا أميسباور بالترحيب بالحضور، بل قدمت رؤية قائمة على فكرة الاستمرارية، حيث أكدت أن الاحتفاء بالمرأة لا يجب أن يقتصر على يوم واحد، بل يمتد ليكون ممارسة مستمرة طوال العام. كما ركزت على التنوع الكبير في الحضور، معتبرة أن اجتماع هذا العدد من الجنسيات والثقافات المختلفة يعكس وجود نساء فاعلات في المجتمع، وأن هذا التنوع يمثل نقطة قوة حقيقية يمكن البناء عليها لتعزيز التعاون الدولي.
أما الدكتورة ماريا ريهل، فقد قدمت طرحًا تاريخيًا متكاملًا، حيث أعادت قراءة اليوم العالمي للمرأة في سياقه النضالي، موضحة أن جذوره تعود إلى نهاية القرن التاسع عشر، عندما بدأت النساء في الخروج إلى الشوارع للمطالبة بحقوقهن، وعلى رأسها حق التصويت. كما أشارت إلى أن هذا الحراك لم يكن محصورًا في منطقة واحدة، بل امتد بين الولايات المتحدة وأوروبا، وأسهمت فيه نساء من خلفيات مختلفة.
وتطرقت إلى تطور هذا المسار عبر العقود، حتى تم الاعتراف رسميًا باليوم العالمي للمرأة من قبل الأمم المتحدة عام 1975، مؤكدة أن هذا الاعتراف لم يكن بداية الطريق، بل محطة ضمن مسار طويل من النضال. كما استعرضت واقع تمثيل المرأة في البرلمانات، موضحة وجود تفاوت كبير بين الدول، حيث حققت بعض الدول نسبًا مرتفعة، بينما لا تزال دول أخرى تعاني من ضعف المشاركة النسائية، ما يعكس استمرار الحاجة إلى دعم دور المرأة في المجال السياسي.
وفي مداخلة إنسانية موسعة، تحدثت وانسا نصر الله، مديرة جمعية “Fremde werden Freunde”، عن الدور النفسي والاجتماعي العميق للمرأة، مؤكدة أن المرأة ليست مجرد حضور داخل المجتمع، بل تمثل مصدر التوازن النفسي والاحتواء الإنساني. وأوضحت أن وعي المرأة العاطفي وقدرتها على العطاء يسهمان في بناء إنسان أكثر استقرارًا، مما ينعكس على المجتمع بأكمله.
كما تناولت دور المرأة في الحياة اليومية بشكل تفصيلي، بدءًا من دور الأم التي تمنح أبناءها الشعور بالأمان، إلى المربية التي تبني الثقة لدى الأطفال، وصولًا إلى المرأة العاملة التي توفق بين المسؤوليات المختلفة. وأكدت أن دعم المرأة نفسيًا واجتماعيًا يؤدي إلى نشأة أجيال أكثر توازنًا، ويسهم في بناء مجتمع قائم على السلام والتفاهم.
بدورها، قدمت أسماء علي خليفة مسؤلة مؤسسة ايات خليفه للمرأه والاسره العربيه بالنمسا مداخلة موسعة ذات طابع تنموي واضح، حيث أكدت أن هذه المناسبة تمثل فرصة لتسليط الضوء على إنجازات المرأة، وفي الوقت نفسه التأكيد على ضرورة استمرار العمل من أجل تمكينها. وأوضحت أن دعم المرأة لا يقتصر على الجانب المعنوي، بل يتطلب توفير فرص حقيقية تضمن مشاركتها الكاملة في مختلف مجالات الحياة.
كما شددت على أن تمكين المرأة يمثل استثمارًا حقيقيًا في مستقبل المجتمعات، حيث تلعب المرأة دورًا محوريًا ليس فقط داخل الأسرة، بل أيضًا في بناء المجتمع ودفعه نحو التقدم، مؤكدة أن المرأة تمثل قوة أساسية في تحقيق التنمية والاستقرار.
كما ألقت الصحفية هالة المغاوري، الكاتبة والإعلامية المصرية المقيمة في فيينا،رؤية إنسانية متكاملة، حيث أكدت أن الاحتفاء بالمرأة هو في جوهره احتفاء بالحياة والقيم التي تحملها النساء يوميًا. وأشارت إلى أهمية إشراك الجاليات المختلفة، خاصة العربية، في مثل هذه الفعاليات، لما لذلك من دور في تعزيز التفاهم الثقافي.
كما لفتت إلى خصوصية توقيت الفعالية، حيث يتزامن مع اليوم العالمي للمرأة، وعيد الأم في الدول العربية، وعيد الفطر للمسلمين، ما يعكس تلاقيًا ثقافيًا وإنسانيًا مهمًا. وأكدت أن المرأة تظل عنصرًا أساسيًا في المجتمع، وجسرًا يربط بين الناس، خاصة في ظل عالم يشهد العديد من التحديات.
ومن جانبها، قدمت هناء سلمان، رئيسة جمعية “أصدقاء الاندماج”، مداخلة إنسانية ومجتمعية موسعة أكدت فيها أن المرأة تمثل جوهر المجتمع، وأنها ليست فقط نصفه، بل أساسه بالكامل. وأوضحت أن المرأة هي القلب الذي ينبض بالحياة، والعقل الذي يفكر، والروح التي تمنح الأمل.
كما أكدت أن المرأة في جميع أدوارها — كأم، وجدة، وزوجة، وابنة، وصديقة — تمثل مصدر الدفء والحنان والأمان داخل المجتمع، مشددة على أهمية تقدير هذه الأدوار. وتطرقت إلى التحديات التي تواجهها المرأة، مؤكدة أنها رغم كل الصعوبات تظل قوية وقادرة على الاستمرار والعطاء. وقد تجسد هذا الطرح بشكل عملي من خلال عضوة الجمعيه شيريهان حسن بعرض مسرحي للعرائس (كاشبال عرائس)
أما ييفا ليشينكو، فقدمت مداخلة فكرية وفلسفية معمقة تناولت فيها مفهوم القوة الأنثوية، مؤكدة أن المرأة ليست فقط مصدر الحياة، بل تمثل طاقة قادرة على إحداث تغيير حقيقي في العالم. وأوضحت أن الأنوثة لا تعني الضعف، بل تشمل مجموعة من القيم مثل الحدس والتعاطف والإبداع.
كما استشهدت بتجربة إضراب النساء في آيسلندا، حيث توقفت النساء عن العمل، ما أدى إلى شلل في المجتمع، في دلالة واضحة على أهمية الدور الذي تلعبه المرأة في الحياة اليومية.
وشهدت الفعالية حضورًا فنيًا متنوعًا، حيث قدم كورال “ميموزن” عرضًا غنائيًا حمل رسالة قوية ضد الحرب، مؤكدات أن النساء لا يصنعن الحروب بل يسعين إلى السلام.
كما ألقت الشاعرة فاديلا أليتش قصيدة عكست مشاعر إنسانية عميقة، بينما قدمت شروق منذر عرضًا موسيقيًا على آلة العود، عزفت خلاله مقطوعات تعبر عن الحب والأم والانتماء.
كما قدمت Maicuc Moines عرضًا راقصًا أضفى طابعًا بصريًا وحيويًا على الفعالية، وأسهم في تعزيز الأجواء الاحتفالية.
وأضفت شيرلي ديماانو أجواءً مبهجة على الفعالية من خلال الغناء والعزف على الجيتار، حيث تفاعل الحضور معها بالرقص والغناء، في مشهد يعكس قوة الفن في خلق حالة من التواصل بين الثقافات.
وشكلت لحظة التكريم التي شملت وانسا نصر الله، أسماء علي خليفة، هناء سلمان، وشروق منذر، تأكيدًا على أهمية إبراز النماذج النسائية الفاعلة في المجتمع.
واختتمت الفعالية بكلمة موسعة للسيدة لوبيكا ماغنوسون، ممثلة الاتحاد النسائي للسلام العالمي في سلوفاكيا، حيث استعرضت تجربتها في العمل مع الشباب، خاصة من خلال مشاركتها في منتديات دولية مثل “شباب صناع التغيير”.
وأشارت إلى أن هذه التجارب تتيح للشباب فرصة التعرف على ثقافات مختلفة، وتبادل الأفكار، وبناء علاقات إنسانية عميقة. كما نقلت انطباعات طلابها الذين أكدوا أن هذه المشاركات ساعدتهم على توسيع آفاقهم، وفهم العالم بشكل أعمق.
كما تطرقت إلى مبادرات مثل “جسر السلام”، التي تجمع نساء من دول مختلفة، خاصة من مناطق النزاع، حيث يتبادلن التجارب ويسهمن في بناء التفاهم، مؤكدة أن هذه المساحات الإنسانية تمثل خطوة مهمة نحو تحقيق السلام.
وفي ختام الفعالية، لم يكن اللقاء مجرد احتفال، بل مساحة حقيقية عكست دور المرأة كقوة فاعلة في بناء المجتمع وتعزيز التفاهم بين الثقافات. وقد أكدت المداخلات والتجارب المطروحة أن تمكين المرأة لم يعد خيارًا، بل ضرورة لمستقبل أكثر توازنًا وسلامًا.
لتبقى الرسالة الأهم أن المرأة ليست فقط جزءًا من المجتمع، بل أساس في تقدمه واستقراره .

