في مدينة صغيرة، كان هناك شاب يُدعى سليم. كان معروفًا بين الجميع بسوء خُلُقه
يُجيد السخرية من الآخرين، يستهزئ بأي شخص يراه مختلفًا عنه، يرفع صوته على الكبير قبل الصغير، ولا يتردد في الكذب إذا شعر أن الكذب سيُنقذه من أي موقف.
كان الناس يتجنبونه، حتى أصدقاؤه ابتعدوا عنه واحدًا تلو الآخر، لكنه لم يهتم. كان يعتقد أن القوة في الصوت العالي، وأن الذكاء في الكذب والخداع.
وذات يوم، جاء إلى المدينة رجل مُسنّ غريب، يبدو عليه الوقار والحكمة. جلس في السوق تحت ظل شجرة كبيرة، وأخذ يراقب الناس بابتسامته الهادئة.
مرّ سليم بجواره، فسمعه الرجل العجوز يقول للتجار:
“كل إنسان يحمل خلفه ظلًّا، لكن أسوأ الناس مَن يحمل خلفه ظلًّا من الأخلاق السيئة، يسبقه في كل مكان”.
توقف سليم، وسأل بغضب:
“وما شأنك أنت بظلال الناس؟”
ابتسم العجوز وقال
“أنت ظلّك يسبقك يا بُني. قبل أن تتكلم، يتذكر الناس غضبك وصوتك الجارح وكذبك. والظلّ السيئ يطرد الخير، ويُطفئ الرزق، ويهدم العلاقات. والمرء لا يهرب من ظله إلا إذا غيّر طريقه.”
سكت سليم لأول مرة.
عاد إلى بيته تلك الليلة، وجلس يفكر في كلمات الرجل
هل أصبحت سمعته وظله أسوأ من أفعاله؟
هل الناس حقًا يخافون من مجرد رؤيته؟
ازداد شعوره بالضيق، فذهب في اليوم التالي ليبحث عن الرجل العجوز، لكنه وجده قد رحل.
لم يترك وراءه سوى كلمات قصيرة كتبها على ورقة
“الأخلاق السيئة تخسر صاحبها قبل أن تؤذي غيره.”
منذ ذلك اليوم تغيّر سليم، بدأ يعتذر لمن أساء لهم، وتعلم أن الكلمة اللطيفة تُفلح ما لا يُفلحه الصراخ، وأن الصدق يمنح الإنسان احترامًا لا تشوبه شبهة.
وبمرور الوقت
تغيّر ظلّه.
وصار النّاس يتحدثون عن “سليم الجديد” الذي استطاع أن يهزم أسوأ عدو كان يعيش داخله أخلاقه السيئة.

