في زمنٍ أصبحت فيه حياة الآخرين مكشوفة أمام الجميع، لم تعد المقارنة مجرد شعور عابر، بل تحولت إلى معركة يومية يخوضها كثير من الناس دون أن يشعروا. ينظر الإنسان إلى ما يملكه غيره، فينسى ما بين يديه، ويتأمل النعم البعيدة بينما يتجاهل نعمه القريبة، فيبدأ التعب النفسي بالتسلل إلى قلبه شيئًا فشيئًا.
وقد صدق القول:
“من انشغل بما قُسم لغيره، عُمي عما قُسم له!
فالقلب الممتلئ بمراقبة الخلق لا يستطيع أن يرى تجليات الله في رزقه وقدره، فليست كل الأرواح المرهقة فقيرة في المال أو الصحة… فبعض الناس يملكون الكثير، لكنهم يعيشون في جحيم المقارنة. ينظر إلى رزق غيره أكثر مما ينظر إلى ما بين يديه، فيتحول قلبه بالتدريج إلى ساحة صراع صامت؛ حسد يسرق الطمأنينة، وحقد يطفئ نور الروح، وتسخط يجعل النعمة تبدو ناقصة مهما اكتملت.
الطمأنينة ليست في كثرة ما تملك، بل في صفاء القلب من الاعتراض الخفي على أقدار الله. فكم من إنسان بسيط ينام وقلبه ساكن، وكم من آخر يملك كل شيء لكنه منهك من الداخل، فالقلوب الشاكرة أكثر سلامًا، لأنها لا تعيش في حرب مستمرة مع الأقدار، بل تسير مطمئنة وهي تعلم أن الله لا يعطي عبثًا… ولا يمنع عبثًا.. فلله الحجة البالغة!
(فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ)”
إن أخطر ما تفعله المقارنة بالإنسان أنها تُفسد عليه متعة حياته الحقيقية، فيصبح عاجزًا عن رؤية الخير الذي يملكه، لأن عينه دائمًا معلقة بما عند الآخرين. وربما يعيش الإنسان وسط نعمٍ عظيمة من صحة وأمان وأهل ومحبة، لكنه لا يشعر بها لأنه يقيس حياته بحياة غيره.
ولأن الرضا نعمة عظيمة، فإن القلب الشاكر يعيش في راحة حتى وإن كانت إمكانياته بسيطة، بينما يظل الساخط متعبًا مهما امتلك من مال أو نجاح أو مكانة. فالسعادة الحقيقية لا تُشترى، بل تُولد من يقين داخلي بأن ما اختاره الله لنا هو الخير، حتى وإن لم نفهم الحكمة كاملة.
إن الحياة لن تخلو من تفاوت بين الناس، فهذا غناه الله بالمال، وذاك رزقه الله راحة البال، وآخر فتح له أبواب المحبة أو العلم أو الصحة. وكل إنسان يحمل نصيبه الذي كتبه الله له بحكمة وعدل ورحمة. لذلك فإن الانشغال برزق الآخرين لا يزيد الإنسان إلا تعبًا وحرمانًا من السلام النفسي.
وفي النهاية، يبقى الشكر هو الباب الأوسع للطمأنينة، لأن الإنسان حين ينظر إلى نعم الله بعين الامتنان، يدرك أن ما لديه يستحق الحمد، وأن الرضا ليس ضعفًا ولا استسلامًا، بل قوة إيمان وثقة بعدل الله ورحمته.

