ثمة لحظات يا صديقي تشبه انكسار الضوء في آخر الممر
حين تخفت المصابيح تباعا
فتجد نفسك وحيدا في منتصف الطريق
لا أنت قادر على العودة
ولا المسير يعدك بنور في آخر النفق
كم حلم أطفأناه بأيدينا
كم مرة خبأنا الأمل في جيوب مثقوبة ثم تساءلنا أين ذهب
نعيش عمرنا نركض خلف أمان بعيدة
وننسى أن الطريق ذاته كان أجمل من الوصول
حتى نفيق ذات فجر
فنجد أن أرواحنا تعبت من الركض
وأن الأحلام التي كنا نراهن عليها
قد صارت رمادا يسكن الذاكرة ولا يضيء الواقع
يا صديقي
ليس القهر في أن تسقط
بل في أن تنهض كل مرة لتسقط من جديد
أن تؤمن بالنور رغم العتمة
وتخدع من النور ذاته حين يتوارى فجأة
حين تطفئ الأحلام مصابيحها
تصبح الليالي أطول
والأصوات أوضح
حتى دقات القلب تصبح وجعا لا يخطئه السمع
ننظر إلى وجوهنا في المرايا
فنرى ملامح تغيرت
ونكتشف أن أكثر ما أفقدنا البريق
هو صدقنا في زمن لا يكافئ الصادقين
نحاول أن نرمم أرواحنا بالكلمات
أن نقنع أنفسنا بأن الغد أجمل
لكن الحقيقة تهمس في الداخل
لقد تعبت من التجمل
أي حلم هذا الذي يولد ليموت قبل أن يدرك معناه
أي نور ذاك الذي لا يضيء إلا حين نغمض أعيننا
نحن يا صديقي جيل الأحلام المؤجلة
جيل الوعود المبتورة
جيل الذين أحبوا كثيرا
لكنهم لم يجدوا من يفهم وجعهم إلا الحبر والورق
ومع هذا
ورغم كل الانكسار
يبقى في القلب ضوء صغير
عنيد كطفل يرفض أن يطفئ شمعته الأخيرة
يذكرنا أن الإنسان ما زال قادرا أن يحب
أن يسامح
أن يبدأ من جديد ولو بعد ألف سقوط
حين تطفئ الأحلام مصابيحها
لا تنته القصة
بل تبدأ من جديد
حين يقرر القلب أن يكتب سطرا آخر
بالدمع لا بالحبر
وبالإيمان لا باليأس

