بقلم: د. تامر عبد القادر عمار
منذ فجر التاريخ، ومصر ليست مجرد أرضٍ يسكنها البشر، بل وطنٌ تسكنه الروح الإلهية للحضارة، ومهدٌ للخلود الإنساني الذي لم يعرف زوالًا. هي الأرض التي مرّ عليها الملوك والغزاة، فابتلعتهم كما يبتلع النيل الطمي في جوفه، لتبقى هي وحدها — النيل والنخيل والأهرام — شاهدة على أن مصر لا تُؤخذ، ولا تُهان، ولا تُغلب مهما تبدّلت العصور وتغيّرت الأسماء.
ولعلّ ما يسمّى في الثقافة الشعبية بـ “لعنة الفراعنة” لم يكن مجرد أسطورة تتداولها الألسن، بل رمزًا لحقيقة أبدية مفادها أن لمصر حُرمةً لا تُمس، وسرًّا لا يُنتهك. فكلّ من تطاول على ترابها، أو حاول أن ينهش من جسدها الطاهر قطعة، أصابه ما أصابه من خزيٍ ودمار. ليس لأن أرواح الملوك القدماء تخرج من قبورها لتنتقم، بل لأن الله تعالى جعل لمصر من الحماية ما لا يُدركه إلا من وعى قوله سبحانه: “ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ”.
فكم من غازٍ مرّ بها، وكم من حاكمٍ حاول أن يطوّعها لإرادته، فانتهى كما انتهوا جميعًا — غبارًا على أعتابها، ذكرى في كتب التاريخ. من الهكسوس إلى التتار، من الطامعين في ثرواتها إلى من أرادوا كسر إرادتها، بقيت مصر واقفة، صامدة، تتلو آيات الخلود من بين ضفاف نيلها.
لعنة الفراعنة ليست لعنةً غيبية تُصيب الأجساد، بل قانونًا حضاريًا يسري في عروق الزمن: من أحبّ مصر بارك الله خطاه، ومن آذاها أضاعه الله في متاهات الخيبة. هي لعنة لا تحتاج إلى مقبرةٍ أو برديةٍ لتُكتب، بل تكتبها الأقدار على من يحاول أن يعبث بأمنها، أو يمسّ عزّتها، أو يفرّق بين أبنائها.
إن مصر — بتاريخها الذي يمتد سبعة آلاف عام — لم تكن يومًا دولة عادية، بل كانت قلب العالم القديم، ومركز التوازن في الشرق الحديث. فيها تلاقت الأديان، وامتزجت الحضارات، وتصافحت السماء مع الأرض. ومن أراد أن يختبر معنى “الحماية الربانية”، فلينظر إلى هذا الوطن الذي ظلّ محفوظًا رغم ما حوله من اضطرابات وصراعات، وكأن يد الله تظلّله من فوق سبع سماوات.
يقف المصريون اليوم بقيادةٍ حكيمةٍ تعرف قيمة هذا الوطن وتدرك رمزيته، قيادةٍ لا تعبث بالشعارات، بل تبني واقعًا من القوة والاستقرار. فالرئيس عبد الفتاح السيسي لم يكن مجرّد قائدٍ سياسي، بل حارسٌ أمينٌ على إرث الأجداد، يعيد صياغة مفهوم الدولة المصرية الحديثة على أسسٍ من الصلابة والبصيرة.
لقد أدرك الرئيس — بما يملكه من وعيٍ وحنكة — أن حماية مصر ليست بالسلاح وحده، بل ببناء الإنسان، واستنهاض الوعي، وتعزيز الاقتصاد، وتحصين الداخل. فاستردّ هيبة الدولة، ورسم لمصر طريقًا جديدًا نحو التنمية والبقاء، ضمن رؤية تمتد حتى عام 2030، حيث تتكامل فيها القوة المادية مع الروحية، ليظل الوطن في مأمن من كلّ طامع.
اعلم عزيزي القارئ أن من يمسّ مصر، لا يمسّ شعبًا من الناس، بل يمسّ تاريخًا يختزن أرواح الأنبياء والملوك والشهداء. ومن يتحدّى إرادتها، كمن يتحدّى نهر النيل في جريانه — لا يلبث أن يغرق. فمصر باقية، ولعنتها باقية على من خانها أو ظنّ أنه قادرٌ على كسرها.
ولعلّ الرسالة الأبلغ التي يهمس بها التاريخ في أذن كلّ عابر هي:
احذروا مصر… فهي ليست كأي أرضٍ تطؤها الأقدام، إنها أرضٌ إذا أحبّتك باركتك، وإذا خنتها، لعنتك إلى أبد الآبدين.

