يطل علينا شهر شعبان كنسيم رقيق يداعب القلوب الظامئة قبل هطول غيث رمضان وهو ذاك الميقات الزماني الذي اختصه الخالق بقدسية فريدة تجعل منه واحة للاستجمام الروحي ومنطلقاً للتطهر من شوائب النفس ففيه تتجلى الحكمة الربانية في تهيئة العباد لضيافة الرحمن الكبرى حيث يغفل الكثيرون عن فضل هذه الأيام الممتدة بين تعظيم شهر رجب وشوق انتظار رمضان ليكون شعبان هو الاختبار الحقيقي لصدق التوجه وعمق اليقين
إن القيمة الجوهرية لهذا الشهر تكمن في كونه الموسم السنوي لرفع صحائف الأعمال إلى السماء فما أسمى أن تلتقي لحظات العروج الإلهي بقلب خاشع ونفس صائمة وروح محلقة في آفاق الذكر والثناء وفي ثنايا لياليه المباركة تفيض رحمات المولى لتغسل أدران القلوب وتمنح العفو لكل من نبذ الشقاق وآثر الصفح الجميل ليكون شعبان بذلك مدرسة لتهذيب الوجدان قبل صيام الأبدان
شعبان هو الغرس الذي بدونه لا يكتمل الحصاد وهو الميدان الذي يسبق نيل الأوسمة الإيمانية فمن أحسن فيه السقاية بالدمع والاستغفار أدرك في رمضان حلاوة المناجاة وطيب الوصال فليكن هذا الشهر مضماراً للتسابق نحو مراقي الفلاح وفرصة لإعادة صياغة الذات بعيداً عن ضجيج الحياة لندخل رحاب رمضان بقلوب أشرق فيها نور الإيمان واستعدت لعناق الجنان

