في ظل تصاعد عسكري خطير يشهده الشرق الأوسط، انعقدت في مقر الأمم المتحدة بفيينا جلسة طارئة لمجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية لمناقشة تطورات الملف النووي الإيراني، في توقيت بالغ الحساسية تتداخل فيه الحسابات السياسية مع اعتبارات الأمن النووي الإقليمي والدولي.
الجلسة لم تكن إجراءً تقنيًا اعتياديًا، بل عكست حجم القلق الدولي من احتمالات اتساع دائرة الصراع، وما قد يترتب عليه من تداعيات تمس منظومة عدم الانتشار والأمن النووي. وفي هذا السياق، جاء الموقف المصري ليطرح مقاربة متوازنة تجمع بين التهدئة السياسية والالتزام الصارم بالقانون الدولي.
السفير محمد نصر، سفير مصر لدى النمسا والمندوب الدائم لدى الأمم المتحدة والمنظمات الدولية في فيينا، عرض بيان القاهرة الذي ارتكز على عدد من الثوابت. في مقدمتها احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها، والتمسك بمبادئ حسن الجوار وضبط النفس، باعتبارها ركائز أساسية لاحتواء التوتر ومنع انزلاق المنطقة إلى مزيد من التصعيد. كما جددت مصر إدانتها لاستهداف دول عربية شقيقة، مؤكدة رفضها القاطع لأي مساس بأمنها واستقرارها.
غير أن البعد الأهم في الطرح المصري تمثل في إعادة التأكيد على أولوية الحلول الدبلوماسية في التعامل مع الملف النووي الإيراني. فقد شدد السفير المصري على ضرورة الحفاظ على المسار التفاوضي لمعالجة القضايا العالقة المرتبطة بتطبيق الضمانات، وعدم إهدار الفرص المتاحة لتعزيز إجراءات التحقق وبناء الثقة. وهو موقف يعكس إدراكًا بأن البدائل التصعيدية لن تؤدي إلا إلى تعقيد المشهد وزيادة المخاطر.
كما أولت القاهرة أهمية خاصة لمسألة الأمان والأمن النوويين في ظل النزاعات المسلحة، مؤكدة أن حماية المنشآت النووية الخاضعة للضمانات تمثل التزامًا دوليًا لا يجوز المساس به، نظرًا لما قد يترتب على أي استهداف أو خلل من عواقب كارثية تتجاوز حدود الدولة المعنية إلى الإقليم بأسره.
التحرك المصري داخل مجلس المحافظين يكتسب أهمية إضافية في ضوء عضوية مصر الحالية بالمجلس، وحرصها المستمر على صون مصداقية منظومة عدم الانتشار النووي، والتوازن بين ركائزها الثلاث: نزع السلاح، وعدم الانتشار، والاستخدامات السلمية للطاقة النووية. وهو توازن تعتبره القاهرة عنصرًا أساسيًا لضمان عدالة واستدامة النظام الدولي للحد من الانتشار.
في المجمل، عكس الموقف المصري من فيينا رؤية تقوم على معادلة واضحة: لا استقرار دون احترام القانون الدولي، ولا أمن نووي دون التزام كامل بآليات الضمانات والتحقق، ولا مخرج من التصعيد إلا عبر قنوات الدبلوماسية والحوار. وبين التصعيد العسكري المتسارع والمخاوف النووية المتزايدة، سعت القاهرة إلى تثبيت خطاب عقلاني يوازن بين الحزم السياسي والمسؤولية الدولية.
ومع استمرار التطورات الإقليمية، يبقى الرهان على قدرة المسارات الدبلوماسية على احتواء الأزمة، ومنع تحولها إلى مواجهة مفتوحة تتجاوز الحسابات السياسية إلى مخاطر تمس الأمنين الإقليمي والدولي في آن واحد.

