الأســـتقرار قـد يكــون زائــف أو مؤقـــت أو مصـــطنع، فالعاصــفة قـادمـة والوقـــت هـو الفيصـــل، الأمـواج الباطنيـــة لا تعكــس القـوة الحقيقــية للأمـواج الســطحية، والعكـس بالعكــس. الهــدوء قـد يكــون أطـار العاصــفة، فمـا أكــثر الخــدع والألهــاء عــن الحقيقــــة، الأطــار دائـما وأبــدا قـد يعطــي قيمــة لمحتــوي لا قيمــة لـه، أو محتــوي زائــف أو مـوجـه يخطــف الأبصــار ويلهــي الألبـــاب.
لكــي يحســـن الأنســان التـدبـر والتـأمـل، لأبـد أن يحســن الأصـــغاء، وحسـن الأصــغاء فـي أســكات الضـوضـاء الداخليــة “مـا يســمي بالســلام الـداخـلي”، وهـذا يعــني التخــلص مـن الشــهوات والأهــواء والأطمــاع والأنانيـــة، وجميعهــا المحــرك للضـوضـاء والألهــاء، وهـذا التجــاوز للضـوضـاء هـو جهــاد النفــس، للوصــول الـي عـالـم الحقــائق العميــق، فمثــلا فـي النــوم يتـم التواصــل مـع الغــيب، والغيـــب هـو بــؤرة الأيمــان “آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ ۚ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ ۚ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۖ غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ. ســورة البقــرة 285″، ففـي النــوم يتـم التواصـــل مـع الغائـــب والمـيت، ومـع الملائكــة ومـع الجــن، وهــذا التواصــل ليــس عشـــوائي، لكــن وفـق ضــوابط وقـواعـد يمتــزج فيهــا المــادة مـع الطـاقـات الماورائيـــة، والضـوضـاء الداخليــة مـؤثـر مباشـــر فـي التواصــل مـع الغيـــب، والســاعي الـي الشــئ ســيجده، أن كـان خــيرا فلـه الخــير، وأن كـان شــرا فلـه الشـــر.
تجــاوز الضـوضـاء الداخليـــة، يعــني قمــع النفـس وأســكات الحيــوان فـي المــادة، مـن هنــا يـآتـي نســيان الأنـــا، فخطيئـــة أبليـس فـي الأنــا التـي ملكــت نفســه وقلبــه “قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ ۖ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ. سـورة الأعـراف 12”.
وهــذا الجهــاد لا يتـم الا بمعــونة الله ســبحانه وتعــالي، وأول هـذا الجهـــاد التخــلي والتحــلي، لكــي يحــدث التجــلي، والتخــلي هـو تخليــة القلــب مـن الشــهوات والأهــواء والأطمـــاع والنـوايـا الســيئة والشــرور والغفــلة، أمـا التحــلي هـو الصــلة الدائمــة والمباشــرة بالله بالـذكـر والأســتغفار والتســبيح، وتـرك النتــائج بعــد الأخــذ بالأســباب الـي رب الأســباب، وذلــك للثقـــة المتنـاهيـة بالله تبــارك وتعــالي.
الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ. ســورة الـرعـد 28.
فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (10) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا (11) وَيُمْدِدْكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا. ســورة نــوح.
لِّتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا. ســورة الفتـح 9.
وعــند أكتمــال التخــلي والتحـلي، يحـدث التجــلي مـن مـن بيــده مقاليــد كـل شــئ، فيتـم ســماع مـا لا يســمع، ورؤيــة مـا لا يــري. فالتجــلي هـو الشــفافية، والحــوار والتواصـــل مـع كــل أطــراف ومكــونات الكــون.
لأبــد مـن أســتشــعار الـوحـدة لأكتشـــاف العـرفانيـــة، المتمثــلة فـي الأسـتئناس بكــافة المخــلوقات ســواء نبــات أو حيــوان، وعـند الأســتئناس يحــدث الأنســجام، وعنــد الأنســجام يبــدأ حـوار الهمــس مـع كـل شــئ. وهـذا مـن علــوم الله تبــارك وتعــالي اللدنيـــة التـي يهبهــا لمـن يشــاء مـن خلقـــه، وهــذا المعــني واضــح فـي تـدبـر وتـأمـل كلمــات الله ســبحانه وتعــالي.
حَتَّىٰ إِذَا أَتَوْا عَلَىٰ وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (18) فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِّن قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ. ســورة النمـــل.
وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ (20) لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ (21) فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ (22) إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ (23) وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ (24) أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ
(25) اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ. ســورة النمــل.
فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ ۚ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا ۚ وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ ۚ وَكُنَّا فَاعِلِينَ. ســورة الأنبيــاء 79.
وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا ۖ يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ ۖ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ. ســورة ســبأ 10.
وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ (68) ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا ۚ يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِّلنَّاسِ ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ. ســورة النحــل.
كــل مكــونات الكــون تتواصـــل مـع بعضــها البعــض، فـي حــوار هـامـس غــير مســموع، “وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُم ۚ مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ ۚ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ. ســورة الأنعــام 38”.
وكلمــا تطهــرت النفــس، كلمــا زاد القــرب مـن الله ســبحانه وتعـــالي، وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ ۖ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ. ســورة ق 16، وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ۖ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ. ســورة البقــرة 186.
وكلمــا زاد القــرب تتنــزل الألهـامـات والعــلوم. أســئل الله تبــارك وتعــالي القــرب والـوعـي.
وأختتـم بقــول الله تبــارك وتعــالي “وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ ۚ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ (18) يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ (19) وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ ۖ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ ۗ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ. ســورة غـافـر”. وحديــث رســول الله صــلي الله عليـه وســلم،
أنَّ اللَّهَ تبارَك وتعالى إذا كانَ يومُ القيامةِ ينزلُ إلى العبادِ ليقضيَ بينَهم وَكلُّ أمَّةٍ جاثيةٌ فأوَّلُ من يدعو بِه رجلٌ جمعَ القرآنَ ورجلٌ يقتَتِلُ في سبيلِ اللهِ ورجلٌ كثيرُ المالِ فيقولُ اللَّهُ للقارئِ ألم أعلِّمْكَ ما أنزلتُ علَى رسولي قالَ بلى يا ربِّ قالَ فماذا عملتَ فيما عُلِّمتَ قالَ كنتُ أقومُ بِه آناءَ اللَّيلِ وآناءَ النَّهارِ فيقولُ اللَّهُ لَه كذَبتَ وتقولُ الملائِكةُ كذَبتَ ويقولُ له اللَّهُ بل أردتَ أن يقالَ فلانٌ قارئٌ فقد قيلَ ذلكَ ويؤتى بصاحبِ المالِ فيقولُ اللَّهُ ألم أوسِّعْ عليكَ حتَّى لم أدعْكَ تحتاجُ إلى أحدٍ قالَ بلى يا ربِّ قالَ فماذا عمِلتَ فيما آتيتُك قالَ كنتُ أصلُ الرَّحمَ وأتصدَّقُ فيقولُ اللَّهُ لَه كذَبتَ وتقولُ الملائِكةُ لَه كذَبتَ ويقولُ اللَّهُ بل أردتَ أن يقالَ فلانٌ جَوادٌ وقد قيلَ ذلكَ ويُؤتى بالَّذي قُتلَ في سبيلِ اللهِ فيقولُ اللَّهُ لَه في ماذا قُتلتَ فيقولُ أُمِرتُ بالجِهادِ في سبيلِك فقاتلتُ حتَّى قُتلتُ فيقولُ اللَّهُ لَه كذبتَ وتقولُ لَه الملائِكةُ كذبتَ ويقولُ اللَّهُ بل أردتَ أن يقالَ فلانٌ جريءٌ فقد قيلَ ذلكَ ثمَّ ضربَ رسولُ اللهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ علَى رُكبتي فقالَ يا أبا هريرةَ أولئِك الثَّلاثةُ أوَّلُ خلقِ اللهِ تُسعَّرُ بِهمُ النَّارُ يومَ القيامةِ
الـراوي: أبـو هــريــرة والمحــدث: الألبـــاني والمصــدر: صـحيح الـترمــذي وخلاصـة حكـم المحــدث: صــحيح.
الله ســبحانه وتعــالي غـني عـن عبــاده، ولا يقبـــل منهــم الشــرك فـي القــول أو العمـــل، ولا يقبـــل الا مـا كـان خالصــا لوجــه ســبحانه. وهــذا الحديــث تفســير قــول الله تبـارك وتعـالي “مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (15) أُولَٰئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ ۖ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ. ســورة هــود”.
خـالـد عـبد الصــمد.

