العشر الأواخر أقبلت ، والسباق اشتد ، والجنة تزينت لمن جد واجتهد ؛ فليكن شعارنا : ( لن يسبقني إلى الله أحد ) .
العبرة بالخواتيم ، وختامه مسك ، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون ؛ فضاعفوا الاجتهاد في هذه الليالي ، أكثروا من الذكر وتلاوةالقرآن ، والصلاة ، والصدقات ؛ ففي الصحيحين أن رسول الله كان يجتهد في العشر ما لا يجتهد في غيرها .
فيها ليلة خير من ألف شهر ، فتحوها ، ولا تضيعوها ، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم عنها : (من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا ، غُفر له ما تقدم من ذنبه) .
ارفعوا عنكم التنازع والخصام ؛ فإنه سببٌ في منع الخير وخفائه ، ففي صحيح البخاري عن عبادة بن الصامت قال : خرج النبي صلى الله عليه وسلم ليخبرنا بليلة القدر ، فتخاصم رجلان من المسلمين ، فقال صلى الله عليه وسلم : ” خرجت لأخبركم بليلة القدر ، فتخاصم فلان وفلان ؛ فرفعت عني ) .
أحيوا هذه الليالي العشر بالعبادة ؛ فقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يحيي ليالي العشر بالصلاة ، والذكر ، والقيام ، ويوقظ أهله ؛ حتى لا يفوتهم هذا الخير فيها ، وكان يشد مئزره ( أي يعتزل نساءه فيها ) ؛ لانشغاله بالعبادة ، فعن عائشةَ – رضي اللهُ عنها – أنها قالت : « كان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا دَخَل العَشْرُ أحْيَا اللَّيلَ ، وأيْقظَ أهلَه ، وجَدَّ ، وشَدَّ المئزَرَ » .
إيقاظ الأهل في هذه الليالي هي رسالة تربوية ، صلاحية ، تؤكد عظم دور الأب والراعي في نصح أهله ، وتربيتهم على الخير ، وأنه مسؤول عن ذلك ، وأنه ما ينبغي الاستئثار بالخير لوحده ، بل يشرك أهله وأولاده في ذلك الفضل الكبير .
أحيوا فيها سنة الإعتكاف ، وقد قال ابن القيم رحمه الله : ( الاعتكاف هو عكوف القلب على الله تعالى ، والخلوة به ، والانقطاع عن الاشتغال بالخلق ، والاشتغال به وحده سبحانه ، فيصير أنسه بالله بدلاً من أنسه بالخلق ، فهذا هو مقصود الاعتكاف الأعظم ) .
فالاعتكاف تربية النفس على الإخلاص ، وتقوية الصلة بالله وحده ؛ لأنك في معتكفك لايراك أحد إلا الله عز وجل .
لا تفسدوا صفو ليالي العشر ببعضَ المعكرات التي تفسد عليكم رحمات ونفحات هذه الليالي ، مثل : انشغال بعض الناس بالقنوات الفضائية ، أو الانشغال بالأسواق التي ازدحمت بالناس ، وتهافتوا عليها لشراء ملابس العيد ، أو الانشغال بكعك العيد وغيرها من هذه الأمور .
الاهتمام بسنة الرسول صلى الله عليه وسلم في تناول طعام السحور ؛ وذلك لأن في السحور بركة ، وكذلك لأنَّ في تناول السحور مخالفة لأهل الكتاب ، فقد قال رَسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم : ” فَصْلُ مَا بَيْنَ صِيَامِنَا وَصِيَامِ أَهْلِ الْكِتَابِ ، أَكْلَةُالسَّحَرِ “
احرص على صلاة قيام الليل في كل ليلة ولو ركعتين فقط ، وكن أشد حرصا أن تختم قيام الليل بصلاة الوتر ؛ فعن عَبدِ اللهِ بنِ عُمرَ رَضِيَ اللهُ عنهما ، قال : قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم : ” اجْعَلوا آخِرَ صلاتِكم بالليلِ وِترًا “
السنة لمن أدرك ليلة القدر الإكثار من دعاء : (اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني) ؛ فعن عائِشةَ رضي الله عنها قالت : قلتُ : يا رسولَ باللهِ ، أرأيتَ إنْ عَلِمْتُ أيُّ ليلةٍ ليلةُ القَدرِ ، ما أقولُ فيها ؟ قال : قولي : ” اللَّهُمَّ إنِكَّ عَفُوٌّ تُحِبُّ العَفوَ فاعْفُ عَنِّي “
ادعُ الله كثيرًا بالتوفيق والإعانة ، فأنت ضعيف بدون توفيق الله مهما عملت ومهما امتلكت من قدرات ؛ قال تعالى :﴿ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ ﴾ ، وإذا لم يكن عون من الله للفتى فأول ما يقضي عليه اجتهاده .
يا شهر رمضان ترفَّق ، دموعُ المحبين تتدفّق ، قلوبُهم من الفراق تتشقّق ، عسى مُنقطِعٌ عن ركب المقبولين يلحق ، عسى من استوجب النارَ يعتق ، ما أسرع خطاك ؛ تأتي على شوق ،وتمضي على عجل .
رمضان … لا أبكي على رحيلك ، لكن أبكي على نفسي ؛ فأنا أخشى أن تأتي وتعود ولا أكون من بين من ينتظرك ويستقبلك . أبكي لأني خشيتُ أني أضعت أيامك الأولى في نزوة ، في غيبة ، في ضعف احترام لك . فاجعل يا ربي هذه العشر الأخيرة جبرا لتقصيري فيما مضي .
اللهم لا تجعل رمضان يمضي إلّا وقد أعطيت كلا منا مراده ، وملأت قلبه بفيض كرمك ، وحققت له ما كان يظنه مستحيلاً . اللهم بلغنا ليلة القدر ، واجعلنا ممن تبدلت أقدارهم للأجمل ؛ فإنك القادر الذي لايعجزه شيء في الأرض ولا في السماء .
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

