الله ســبحانه وتعــالي عـلـم الأنســان كيفيـــة حســاب الـزمـن “الوقـــت”، لكـن البشـــر كالعــادة يحبــذون الجـدال والحيـود، فأنحـرفوا عـن نظــام الـزمـن الألهـــي، فالتوقيتــــات صــارت عــديدة لكـن أمـة زمنهــــا ولكــل حقبــة زمنيـــة زمنهـــا. أجتهــد الأنســان لكـي يجعــل اليــوم مقســم الـي 24 ســـاعة، وفـق مفاهـيم الـزمـن الميكـانيـكي “أخـتراع السـاعات بكـافة أنواعهــــا”. وهـذا ليـس عـلي الأنســان بجــديد، فالنظــام الزمــني القــائم عـلي اليــوم 24 ســـاعة، والســاعة 60 دقيقـــة، والدقيقــــة 60 ثانيــــة، هـو نتيجـــة تفــاعـل عميـــق بيـن الفـلك والديـن والرياضــيات والثقـــافة منـذ آلآف الســنين، قـد يكـــون ليــس الأفضـــل حســابيا، بـل هـو المتـوافق مـع نظــريات الحضــارات القديمــة، عـن الكـون والـدورات الطبيعيـــة وأحتيـاجاتهـم التنظيميـــة “عـلي أعتبــار أن الـزمـن ليـس مجـرد رقــم، بـل تجـربة بشــرية عميقـــة الجـذور مرتبطــة بالفـلك والعـادات والتقاليــد وغــيرها”. وجـاءت فكــرة قيـاس الـزمـن لمحـاولة وضــع حــدود، لمـا هـو غــير محــدود “الـزمـن غـامـض وغـير مـدرك وغـير مســموع”. وأســـتخدام الـزمـن المقـاس كوســيلة لتنســيق المواعيــد للـزراعـة عـلي سـبيل المثــال. بخـلاف أنشــطة الأنســان اليوميــة، ومـن هنــا وجـدت عـلاقـة الـزمـن الخطيـــة (ماضـي – حاضــر – مســتقبل). مـع أن الـزمـن الداخـلي للأنســان، قـد يختلــف مـع الـزمـن الخـارجي “المقـاس”، ففـي الألـم والخــوف والقــلق والحـزن يكــون الـزمـن الداخـلي مقـارنة بالخـارجي بطــئ، أمـا مـع اللــذات والشـــهوات يكــون الـزمـن الداخـلي مقـارنة بالخـارجي ســريع. فهــل معيــار الـزمـن هـو أحـداث يحبهـــا الأنســان أو يكــرهها؟.
وفـي كـل الأحــوال عــندما يـولـد الأنســان تبــدأ الســاعة الخاصــة بـه بالــدوران، والمتبقـــي منهــا يشــير الـي النهــاية الحتميــة، فهـي تتحــرك بشــكل عكســـي متجهـــة الـي النهــاية. فالـزمـن هـو مؤشـــر المـوت للأنســان وكـافـة المخلوقات “قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ۖ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ. ســورة الأعــراف 24”.
ففـي الـوجـودية الـزمـن هـو الحـركة والتحــول، والمـوت هـو التوقــف والنهـــاية. دون مـراعـاة أمتـــداد الـزمـن فـي وعـي آخـــر، فالزمكــان يتغـــير مـن حـالـة قــد تكـون مـادية الـي حـالـة غـير مـدركـة “حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (99) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ ۚ كَلَّا ۚ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا ۖ وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ. ســورة المؤمنــون – هَلْ أَتَىٰ عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا. ســورة الانســان 1”.
ومـن هنــا يــري البعــض أن الـزمـن هـو مــرادف الفنـــاء فـي الـوعـي الأنســاني، وأن الحيــاة الدنيـــا مـا هـي الا مـراحـل للمـوت ببطــئ مـع مــرور كـل لحظـــة. مـع أن الحيــاة الدنيـــا مـا هـي الا لحظـــة أو مرحـلة للأختبـــار، ومرحـلة للعبـــور أو الأنتقـــال الـي أبعــاد آخــري لهـــا الــزمن الخــاص بهـــا. ومـن هنـــا قـد يــآتي مفهـــوم أن الـزمـن دائـــرة (الـــذر
“إِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ۖ قَالُوا بَلَىٰ ۛ شَهِدْنَا ۛ أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَٰذَا غَافِلِينَ. ســورة الأعـراف 172″– الحيــاة الدنيـــا – الـبرزخ – الحيـــوان).
الـزمـن غــيب والمــوت البيـــولوجـي غــيب وكلاهمـــا متلازمـــان.
وهنــا يحضــرني حديــث رســول الله صــلي الله عليــه وســلم عـن يـوم الجمعــــة.
يومُ الجمعةِ اثنَتا عشرةَ ساعةً الحديثَ في ساعةِ الإجابةِ وفيهِ فالتمِسوها آخرَ ساعةٍ بعدَ العصرِ.
الــراوي: جـابـر بـن عبـد الله والمحــدث: ابـن العــراقي والمصــدر: طـرح التثريــب وخلاصة حكـم المحــدث: إسـناده صــحيح.
يومُ الجمعةِ ثِنتا عشرةَ – يريدُ – ساعةً لا يوجَدُ مسلِمٌ يسألُ اللَّهَ عزَّ وجلَّ شيئًا إلَّا آتاهُ اللَّهُ عزَّ وجلَّ فالتمِسوها آخرَ ساعةٍ بعدَ العصرِ.
الــراوي: جـابـر بـن عبـد الله والمحــدث: الألبــاني والمصــدر: صـحيح أبـي داود وخلاصــة حكـم المحــدث: صــحيح.
وهــذا يجعلنـــا نعيــد النظـــر والتفكــير فـي عـدد ســاعات اليــوم لتكــون 12 ســـاعة بـدلا مـن 24 ســـاعة، وهــذا مقبــول مـن الناحيــة العلميــة والمنطقيـــة. وهـذا بكـل تأكيــد مرتبــط بتقســيم للتوقيــت وفـق النهـــار والليـــل والنشــاط الحـركي والنفسـي للأنســان. فالله تبــارك وتعـالي قســم الأوقـــات عـلي مـدار اليــوم وفـق فتــرات زمنيـــة محــددة.
أمـا ميكانيكيــة الـزمـن وهـي الســاعة، لا فـرق فيهـــا بيـن الليــل والنهــار – النـور والظـلام – النـوم واليقظـــة – الخصــوصية وغــيرها.
نظــام الـزمـن قـد يكــون كالنهـــر، وتيـــار النهـــر يجــب الســباحة معــه وفــق تيــارة وتــرددة، والمـادة البشــرية لهـا تـرددتها الخاصـة بهـا وفـق الحـالة الحركيــة، ســواء فـي الســعي أو الـراحـة أو العبــادة أو أقـامـة الصــلاة أو النــوم.
والغــرق فـي النهـــر يعــني النهـــاية “أخــتلاط الكـل بالكــل وهـو الفوضـــي والعشــوائية”، والســباحة ضــد التيـــار تعـني عـدم الأمكانيـــة مـن الأنتقـــال الـي العـوالم الآخــري الغيبيــــة “عـلي ســبيل المثــال الرغبـــة فـي الماضــي ومقـــت الحاضــر والمســتقبل”.
والســباحة فـي نهـــر الـزمـن معــرفة للحــق وتـذوق للحــق، فالمعــرفة وحـدهـا لا تكفـــي، وفـي المعــرفة والتـذوق تكتمـــل التجــربة للوصــول الـي اليقيـــن. واليقيـــن هـو أزالـة الغشــاوة عـن الضــبابية، والوصــول الـي بـؤرة المعــرفة، بـدلا مـن التمســك بالغبــار المعــرفي.
ولمحــاولة أدراك المعــاني الكامنــة فـي حديــث الرســول صــلي الله عليـه وســلم والســالف ذكــره، أخــبرنا الله تبــارك وتعـالي بعـلامـات وآيـــات فـي حـركة وســـكون الأنســـان والطيــور والحيــوانات وغــيرها، وجميعهـــا مرتبـــط بتعاقــب الليــل والنهـــار، كمـا أخــبرنا الله ســبحانه وتعــالي بتوقيتـــات زمنيـــة مرتبطــــة بحــركة الأنســـان.
يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ ۚ وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ. ســورة الحـديد 6.
وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا. ســورة الفـرقـان 47.
وفـي القــرآن الكـريـم ســورة كـامـلة أســمها الليـــل “وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ (1) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّىٰ”.
وفـي القــرآن الكـريـم ســورة كـامـلة أســمها الضـــحي ” وَٱلضُّحَىٰ (1) وَٱلَّيۡلِ إِذَا سَجَىٰ”.
وفـي القــرآن الكـريـم ســورة كـامـلة أســمها الفجــــر “وَالْفَجْرِ (1) وَلَيَالٍ عَشْرٍ (2) وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (3) وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ”.
وفـي القــرآن الكـريـم ســورة كـامـلة أســمها الشـمس “وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (1) وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا (2) وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا (3) وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا”
وفـي القــرآن الكـريـم ســورة كـامـلة أســمها القمـــر “اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ”.
وفـي القــرآن الكـريـم ســورة كـامـلة أســمها الجمعــة “يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (1) هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ”.
وفـي القــرآن الكـريـم ســورة كـامـلة أســمها العصـــر “وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ”.
وجميعهـــا مؤشــرات زمنيـــة، وأيضـــا أشـــارة لآيـــات الله ســبحانه وتعـالي الكونيـــة، وأدارة شــئون الأنســان عـلي مـدار اليــوم مـا بيــن ســـعي وراحــة ونــوم وغــيرها.
الـزمن الأرضـــي القاصـــر والمحــدود لا عــلاقة لـه بالــدهـر والمحســوب وفـق ســـنن وقـواعـد ألهيـــة يعجــز العقــل البشــري عـن أدراكهــــا وقـد أعلمنـــا الله تبــارك وتعــالي فـي آيــاته.
وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَابًا مِّنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ (14) لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَّسْحُورُونَ. ســورة الحجــر.
وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَن يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ ۚ وَإِنَّ يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ. ســورة الحـج 47.
تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ. ســورة المعـارج 4.
أكتفــي بهــذا القــدر ونكمـــل فـي الأجــزاء القـادمـة أن شــاء الله تبــارك وتعــالي.
خـالــد عـبد الصـــمد.

