في مدرسة التصوف، لا يُنظر إلى الألم كعدو، ولا إلى الوجع كخصم، بل كرفيق خفيّ يطرق أبواب القلب ليوقظه من غفلته، ويعلّمه كيف يتذوق طعم الصبر. فالصبر عند أهل الله ليس مجرد احتمال للبلاء، بل هو مقام من مقامات السالكين، يختبر فيه العبد مدى يقينه بالله ومدى ثباته في حضرة الحق.
من يصبر على الوجع لا يزداد ضعفًا، بل يزداد قوةً في باطنه، لأن الصبر يزرع في القلب جذور الطمأنينة. وكما قالوا: “من لم يذق مرارة الصبر، لم يذق حلاوة القرب”. إن كل وجع يسكن الجسد أو يثقل الروح إنما هو رسالة سرية، تدعونا إلى التسليم، وإلى الثقة بأن وراء كل كسرٍ جبر، ووراء كل ضيقٍ فرج، ووراء كل صبرٍ لقاء.
الصبر في جوهره ليس انكسارًا أمام الألم، بل هو ارتقاء به؛ أن تحوّل وجعك إلى بوابة للمعرفة، وأن تجعل من نزيفك نهرًا يطهّر قلبك من شوائب الدنيا. حينها يصبح الصبر جدعنةً صوفية، لأنك لم تكتفِ بالتحمل، بل وقفت شامخًا أمام البلاء وقلت: “إنما أنا عبدٌ لله، وما أصابني هو اختيارٌ من الحكيم الرحيم.”
وهكذا، يصبح الصبر مقامًا من مقامات الصفاء، ومفتاحًا لباب الرضا. ومن يصبر على وجعه بصدق، يجد أن الألم لم يأتِ ليؤذيه، بل جاء ليهديه إلى أعماق نفسه، وليقرّبه من حضرة مولاه.
“وجعك باب إلى الله”
يا صابرًا على الوجع، لا تظنه خصمًا،
فهو معلمك الخفي، يقودك إلى صفاء القلب.
الصبر ليس انكسارًا، بل شموخٌ في حضرة الحق،
ومن عرف سرّه، ذاق حلاوة القرب بعد مرارة الألم.
واجعل وجعك جسراً إلى الرضا،
فكل جرحٍ إنما يفتح بابًا إلى نورٍ أعظم.
فكن جدعًا في مقامك، ثابتًا في بلائك،
واعلم أن وراء كل دمعة، قبسًا من الرحمة،
وأن الصبر ارتقاء، لا مجرد احتمال.
مع تمنياتى بكل الخير وكل عام وانتم الى الله اقرب

