بِقَلَمِ دُكْتُورَة دُعَاء مُعَاطِي
يَسْتَيْقِظُ الْبَشَرُ كُلَّ يَوْمٍ عَلَى أَقْلَامٍ تَكْتُبُ. مِنْهَا مَا يُضْحِكُ فِي صَفَحَاتٍ، وَمِنْهَا مَا يَفْخَرُ وَيَعْتَزُّ، وَمِنْهَا الْغَاضِبُ، وَمِنْهَا الْمُتَأَلِّمُ. إِنَّ مِدَادَ الْقَلَمِ لَيْسَ هُوَ مَنْ يُغَذِّي الْقَلَمَ، بَلْ رُوحُ الْبَشَرِ وَأَفْكَارُهُمْ. عِنْدَمَا يَكْتُبُ شَخْصٌ وَيُمْسِكُ قَلَمَهُ عَنْ شَخْصٍ مَا زَالَ يَسْكُنُ خَلَدَهُ، وَيَشْغَلُ تَفْكِيرَهُ، وَيَشْغَلُ حَيِّزًا مِنَ الْفَرَاغِ دَاخِلَ نَفْسِهِ؛ فَالْمُسْتَغْنِي لَا يُمْسِكُ الْمِدَادَ وَيَكْتُبُ بِأَلَمٍ عَنْ أَشْخَاصٍ. الِاسْتِغْنَاءُ نِسْيَانٌ. إِذَا شَعَرْتَ يَوْمًا بِأَنَّ هُنَاكَ رِسَالَةً مَا بَيْنَ السُّطُورِ فِي كِتَابَاتِ أَحَدٍ، اشْتَرِ رِضَا هَذَا الشَّخْصِ وَتَمَسَّكْ بِمِسَاحَتِكَ دَاخِلَهُ حَتَّى لَوْ كَانَتِ الرِّسَالَةُ سَيِّئَةً. لَا تَأْخُذِ الْأَمْرَ عَلَى أَنَّهُ عَدَاءٌ أَوْ كَرَامَةٌ، فَقَدْ أَمْسَكَ بِالْقَلَمِ لِيَشْتَكِيَ لَهُ وَجَعَهُ وَأَلَمَهُ. نُبْلُ الْعَلَاقَاتِ بَيْنَ الْبَشَرِ أَنْ تَرْحَلَ وَلَيْسَ فِي حَلْقِ أَحَدِهِمْ غُصَّةٌ، فَالْحَيَاةُ قَصِيرَةٌ.
الْعَلَاقَةُ بَيْنَ الْكِتَابَةِ وَالرُّوحِ
الْكِتَابَةُ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ وَسِيلَةٍ لِلتَّوَاصُلِ، بَلِ الْكِتَابَةُ الْإِبْدَاعِيَّةُ هِيَ جِسْرٌ لِلرُّوحِ، وَتَعْبِيرٌ عَنِ الْمَشَاعِرِ، وَنِدَاءٌ دَاخِلِيٌّ لِلتَّوَاصُلِ مَعَ الْبَشَرِ. تُسَاعِدُ الْكِتَابَةُ عَلَى الْحَيَاةِ بِدُونِ مَوْتٍ، فَالْكِتَابَةُ تَجْدِيدٌ لِلرُّوحِ. الْإِنْتَاجُ الْفِكْرِيُّ يَجْعَلُكَ تَشْعُرُ بِأَنَّكَ تَحْيَا حَيَاةً لَا مَوْتَ فِيهَا، “أَوْ نَمُوتُ وَيَبْقَى الْخَطُّ يَتَنَفَّسُ وَصَاحِبُهُ تَحْتَ الْأَرْضِ مَدْفُونٌ.”
عِلَاقَةُ الْكِتَابَةِ بِعِلْمِ النَّفْسِ
كَثِيرٌ مِنْ عُلَمَاءِ النَّفْسِ يَنْظُرُونَ إِلَى الْكِتَابَةِ عَلَى أَنَّهَا عِلَاجٌ نَفْسِيٌّ لَا يُمْكِنُ تَجَاهُلُهُ. فَهِيَ تُسَاعِدُ فِي عِلَاجِ التَّوَتُّرِ وَتُحَسِّنُ الصِّحَّةَ النَّفْسِيَّةَ، وَتَفْرِيغِ الْمَشَاعِرِ وَالْأَحَاسِيسِ. فَالْكِتَابَةُ أَدَاةٌ قَوِيَّةٌ لِلْعِلَاجِ النَّفْسِيِّ حَيْثُ:
* تَعْزِيزُ الذَّاتِ: تُسَاعِدُ الْكِتَابَةُ فِي تَعْزِيزِ رُوحِ صَاحِبِهَا وَتَجْعَلُهُ يَتَقَبَّلُ ذَاتَهُ، وَيَتَخَلَّصُ مِنْ كُلِّ الْمَشَاعِرِ الْمُقْلِقَةِ مِثْلَ الْخَوْفِ فِي مُوَاجَهَةِ الْمُجْتَمَعِ وَالشُّعُورِ بِالْعُزْلَةِ وَالِانْكِسَارِ وَالتَّوَحُّدِ. الْكِتَابَةُ تُسَاعِدُ الْبَشَرَ فِي الِانْفِتَاحِ عَلَى الْعَالَمِ.
* تَقْوِيَةُ الْوَعْيِ بِالذَّاتِ: الْكِتَابَةُ تَجْعَلُكَ أَكْثَرَ وَعْيًا بِمَا يَدُورُ دَاخِلَكَ مِنْ أَفْكَارٍ وَمَشَاعِرَ وَمُعْتَقَدَاتٍ. تُفَرِّغُ كُلَّ مَا تُرِيدُ بِالْحِبْرِ وَالْأَوْرَاقِ، فَتَقْوَى الشَّخْصِيَّةُ وَلَا تُصْدِرُ فَلَتَاتُ لِسَانِكَ أَشْيَاءَ دُونَ السَّيْطَرَةِ عَلَيْهَا، فَقَدْ وَعَيْتَ بِذَاتِكَ وَنَظَّمْتَ مَا بِدَاخِلِكَ.
* الرَّحْمَةُ الذَّاتِيَّةُ: الْكِتَابَةُ تَجْعَلُنَا رُحَمَاءَ بِأَرْوَاحِنَا. نَجْعَلُهَا تَتَخَلَّصُ أَوَّلًا بِأَوَّلٍ مِنَ الْآلَامِ وَالْأَحْزَانِ الْمُحْبِطَةِ وَالْأَحْلَامِ الْمُحَطَّمَةِ، وَنَتَغَذَّى فِي أَرْوَاحِنَا بِالْجَمَالِ، وَالْقُدْرَةِ عَلَى الْعَطَاءِ، وَالتَّرَاحُمِ وَالْحُبِّ.
الْكِتَابَةُ وَالصِّحَّةُ الْعَامَّةُ
الْعَلَاقَةُ وَطِيدَةٌ بَيْنَ الْكِتَابَةِ وَالصِّحَّةِ الْعَامَّةِ. فَالْكِتَابَةُ تُخَفِّفُ الْقَلَقَ وَالتَّوَتُّرَ وَتُقَوِّي الذَّاكِرَةَ، وَتُحَسِّنُ ضَغْطَ الدَّمِ، وَتُعَالِجُ الْعُزْلَةَ وَالْوَحْدَةَ، وَتُسَاعِدُ عَلَى إِفْرَازِ جِهَازِ الْمَنَاعَةِ فَتُقَلِّلُ مِنَ الْأَمْرَاضِ الْمَنَاعِيَّةِ، وَتَزِيدُ الْإِيجَابِيَّةَ، وَتَقْضِي عَلَى التَّشَاؤُمِ. وَتُوَلِّدُ شُعُورًا بِالرِّضَا وَالتَّقَبُّلِ لِلْأَفْرَادِ وَالْجَمَاعَاتِ، وَتَزِيدُ مِنْ لِيَاقَةِ الْعَقْلِ، وَتُقَوِّي الْعَضَلَاتِ، وَالْكِتَابَةُ الْيَدَوِيَّةُ تُعَزِّزُ مَرَاكِزَ مُخْتَلِفَةً فِي الدِّمَاغِ.
الْخُلَاصَةُ
إِذَا كُنَّا نَمْلِكُ أَقْلَامًا، فَنَحْنُ لَا نَمْلِكُ مِدَادَ الْحِبْرِ لِنَكْتُبَ، بَلْ نَمْلِكُ تِرْيَاقًا يَشْفِي عُقُولَنَا وَأَرْوَاحَنَا وَأَبْدَانَنَا. لَا تَتَجَاهَلْ رَسَائِلَ تَصِلُكَ فِي كِتَابَاتِ الْآخَرِينَ، فَلَا زِلْتَ تَسْكُنُ أَرْوَاحَهُمْ، إِذَا لَا زِلْتَ حَيًّا بِدَاخِلِهِمْ.

