بقلم : د. تامر عبد القادر عمار
منذ فجر التاريخ والإنسان يتساءل عن سرِّ انجذاب القلوب إلى بعض الأشخاص دون غيرهم. قد يكون بينهم وبين الآخرين تكافؤ في العلم أو المال أو الجاه، لكن هناك هالة من الطمأنينة والراحة تلتف حول بعض الوجوه، فيسكن إليها الناس وتستجيب لها الأرواح. تلك الظاهرة التي عجزت القوانين الوضعية عن تفسيرها بدقة، وأوضحتها النصوص الإلهية بأنها القبول في الأرض، وهو منحة ربانية لا تُشترى، وهبة لا تُنال إلا بصفاء القلب واستقامة السلوك.
لقد بيّن النبي صلى الله عليه وسلم هذه الحقيقة في حديثه المشهور: «إذا أحب الله عبداً نادى جبريل: إن الله يحب فلاناً فأحبِبْه، فيحبّه جبريل، فينادي جبريل في أهل السماء: إن الله يحب فلاناً فأحبّوه، فيحبّه أهل السماء، ثم يُوضَع له القبول في الأرض». هنا نكتشف أن سرّ المحبة الحقيقية ليس في كثرة العلاقات ولا في جمال الصورة ولا في بريق المنصب، وإنما في محبة الله لعبده. فإذا رضي الله عن إنسان ألقى محبته في قلوب خلقه، فصار محاطاً بمهابة صامتة، أو بودٍّ عفوي يسبق كل تعريف.
القبول في الأرض ليس نتيجة براعةٍ في التملق أو صناعة السمعة، بل هو ثمرة طبيعية لطهارة السريرة، وإخلاص العبودية، وحسن الخلق. قد يحاول البعض أن يفرض نفسه بالقوة أو بالمال، لكنهم يظلون أسرى المظاهر، سرعان ما ينكشف بريقهم الزائف مع أول امتحان. أما أصحاب القبول الحقيقي فإنهم يزدادون رسوخاً مع الأيام، وتبقى محبتهم في القلوب حاضرة حتى بعد رحيلهم، لأنهم ارتبطوا بالسماء قبل الأرض.
وللقبول في الأرض أبعاد عدة؛ فهو أولاً بعد روحي يعكس رضا الله، إذ يجعل القلوب تنجذب إلى صاحبها بغير تكلف. وهو ثانياً بعد اجتماعي يمنح صاحبه ثقة الناس، فيصبح قدوةً مؤثرة وصوتاً مسموعاً، تُفتح أمامه أبواب الخير ويُيسَّر له الإصلاح. وهو ثالثاً بعد نفسي يملأ صدره بالطمأنينة، فلا يحتاج إلى ركضٍ وراء الشهرة ولا إلى لهاث خلف الألقاب، لأنه يعلم أن حبه في القلوب فضلٌ من الله، لا صناعة بشرية.
لكن السؤال الجوهري: كيف يُنال هذا القبول؟
لقد وضعت النصوص النبوية والآثار العملية معالم هذا الطريق واضحة؛ أولها الصدق مع الله في القول والعمل، فلا رياء ولا تصنّع. وثانيها الإخلاص في كل حركة، إذ لا يبتغي المؤمن بعمله إلا وجه الله. وثالثها حسن الخلق، فقد قال صلى الله عليه وسلم: «أحب عباد الله إلى الله أحسنهم خلقاً». ورابعها خدمة الناس وقضاء حوائجهم، لأن القلوب مجبولة على حب من أحسن إليها. وخامسها التواضع، فمن تواضع لله رفعه، ومن استعلى على الناس أسقطه الله من أعينهم.
ولعل من أبرز الشواهد التاريخية على القبول في الأرض ما نقرأه في سير الصحابة والتابعين. فقد عاشوا بلا زخارف، ولم يملكوا من متاع الدنيا إلا اليسير، ومع ذلك ملأوا القلوب هيبةً ومحبة، حتى قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «إنكم لا تنالون ما عند الله إلا بطاعته». فسرّ القبول إذن هو الطاعة، لا غير.
وإذا كان القبول منحة إلهية، فإنه في الوقت نفسه أمانة ومسؤولية. فالذي أحبه الله وألقى محبته في قلوب الناس، لا يجوز له أن يغترّ أو يستغل هذا الحب في غير حق، بل عليه أن يكون أكثر حرصاً على القدوة الحسنة، وأكثر التزاماً بالحق والعدل. لأنه إن أساء بعد أن رفعه الله بالقبول، كان وزره مضاعفاً، وذهاب محبته أسرع من لمح البصر.
إن القبول في الأرض نعمة غالية، قد تفوق المال والجاه. فما قيمة ثراءٍ يورث الحسد، أو سلطانٍ يجرّ الخوف؟ أما القبول فهو ثراء القلوب، وسلطان المحبة، وميراثٌ خالد يبقى بعد الفناء. والإنسان الرشيد هو من يسعى إلى هذا القبول بطاعة الله وحسن معاملة خلقه، لأنه يدرك أن الوجوه تزول، والمناصب تتبدد، لكن ما وُضع في القلوب باقٍ لا يزول.

