إِنَّ مِن تَمامِ العَقلِ وَرَجاحَةِ الفِكرِ أَنْ يَتَأَنَّى الإِنسانُ قَبْلَ أَنْ يُصدِرَ حُكْمَهُ عَلَى غَيرِهِ، وَأَنْ يَزِنَ الأُمورَ بِميزانِ الإِنصافِ وَالعَدلِ، لا بِعاطِفَةٍ جامِحَةٍ أَوْ هَوًى مُتَسَرِّعٍ يَجُرُّهُ إِلى الظُّلمِ وَالافتراءِ. فَالرُّوِيَّةُ فِي الحُكمِ لَيْسَت ضَعفاً، بَلْ هِيَ مِنْتَهى القُوَّةِ، لأَنَّ العاقِلَ لا يُساقُ إِلى القَرارِ كَما تُساقُ الرِّيحُ إِلى العاصِفَةِ، بَلْ يُحَكِّمُ ضَميرَهُ وَيَستَشيرُ عَقلَهُ قَبلَ لِسانِهِ.
وَلَقَدْ جاءَتِ الشَّرائِعُ السَّماوِيَّةُ لِتُؤَكِّدَ هذَا المَبدَأَ الإِنسَانِيَّ العَظِيمَ، فَحَرَّمَتِ الظُّلمَ بِجَميعِ صُوَرِهِ، وَعَدَّتِ الاتِّهامَ الباطِلَ مِن كَبائِرِ الذُّنوبِ، لأَنَّ فِي الظُّلمِ هَدماً لِلقُلوبِ وَتَشويهًا لِلحَقائِقِ، وَفِي العَجَلَةِ طَمساً لِنُورِ الحَقيقَةِ الَّذي لا يَظهَرُ إِلّا بِالتَّبَصُّرِ وَالصَّبرِ.
كَمْ مِن إِنسَانٍ أُسيءَ إِلَيهِ بِظَنٍّ أَوْ إِشَاعَةٍ، وَكَمْ مِن سُمعَةٍ نَقِيَّةٍ لَوَّثَهَا لِسَانٌ لَمْ يَتَحَرَّ الدِّقَّةَ فِيمَا يَقولُ! فَالعاقِلُ لا يَكُونُ صَدىً لِمَا يَسمَعُ، بَلْ يَكُونُ مِرآةً صَافِيَةً لا تَعكِسُ إِلّا مَا تَراهُ بِعَينِ الحَقِّ. أَمّا أُولئِكَ الَّذينَ يُسَارِعونَ إِلى الاتِّهَامِ، فَهُم كآلَةِ تَسجِيلٍ لا وَعيَ لَهَا، تَنطِقُ بِمَا يُملَى عَلَيهَا دُونَ بَصِيرَةٍ أَوْ فَهمٍ لِمَعنَى الكَلِمَةِ وَمَسؤُولِيَّتِهَا.
إِنَّ الرُّوِيَّةَ وَالتَّعَقُّلَ عِندَ الحُكمِ لَيسَت مَجَرَّدَ خُلُقٍ نَبِيلٍ، بَلْ هِيَ رَكِيزَةٌ مِن رَكَائِزِ العَدَالَةِ الَّتِي بِهَا يُقَامُ مِيزَانُ الحَقِّ وَتُصَانُ الكَرَامَاتُ. فَرِفقًا بِالنَّاسِ قَبلَ أَنْ نَحكُمَ، وَتَفَكُّرًا قَبلَ أَنْ نُدِين، فَرُبَّ كَلِمَةٍ تُقَالُ بِغَيرِ عِلمٍ تَكُونُ سَهمَ نَدَمٍ لا يَبرَأُ جُرحُهُ.
فَالعاقِلُ مَن جَعَلَ ضَمِيرَهُ قَاضِيًا، وَعَدلَهُ مِيزَانًا، وَلِسانَهُ نَاطِقًا بِالحِكمَةِ لا بِالعَجَلَةِ.

