الحمد لله رفع السماء بلا عماد، وبسط الأرض فكانت نعم المهاد، أحمده جل شأنه وأشكره أتم نعمته على العباد، وأشهد أن لاإله إلا الله وحده لا شريك له إليه المرجع والمعاد وأشهد أن نبينا وحبيبنا محمدا عبد الله ورسوله صلى الله على هذا النبي العظيم وعلى الآل والصحب الأمجاد، وعلى من سار على درب الهدى يبتغي الرشاد أما بعد، ذكرت كتب السيرة النبوية كما جاء في الصحيحين أن رسول الله محمد صلي الله عليه وسلم عندما بدأت تصارعه سكرات الموت، فقالت السيدة عائشة رضي الله عنها رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يموت وعنده قدح فيه ماء فيدخل يده في القدح ثم يمسح وجهه بالماء ثم يقول “لا إله إلا الله إن للموت سكرات” وجعلت فاطمة تبكي وتقول واكرب أبتاه فيلتفت إليها صلى الله عليه وسلم ويقول ليس على أبيك كرب بعد اليوم.
فجعلت أمسح وجهه وأدعو له بالشفاء، فقال لا بل أسأل الله الرفيق الأعلى مع جبريل وميكائيل وإسرافيل، ثم لما ضاق به النفس، وإشتدت عليه السكرات جعل يردد كلمات يودع بها الدنيا، بل كان يتكلم فيما أهمه ويحذر من صور الشرك ويقول ” لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ” وكما يقول صلى الله عليه وسلم ” اشتد غضب الله على قوم جعلوا قبور أنبيائهم مساجد ” وكان من آخر ما قال صلى الله عليه وسلم ” الصلاة الصلاة وما ملكت أيمانكم ” ثم مات رسول الله صلى الله عليه وسلم، مات سيد المرسلين وإمام المتقين وحبيب رب العالمين، مات وليس أحد يطالبه بمظلمة ولا آذى أحدا بكلمة، ولم يتدنس بأموال حرام ولا غيبة ولا آثام، بل كان إلى الله داعيا ولعفو ربه راجيا، يأمر بالصلاة وعبادة الرحمن وينهى عن الشرك والأوثان.
فيقول تعالي “لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم ” وكذلك كان الصالحون من بعده صلى الله عليه وسلم يستعدون للموت بالإكثار من الطاعات، والمسارعة إلى القربات، وهم مع كثرة أعمالهم وحسن أفعالهم إذا فجأهم الموت رجوا رحمة ربهم، وخافوا من عقابه ولم يركنوا إلى أعمالهم، وقيل أنه لما ربط الكفار خبيب بن عدي رضي الله عنه على جذع نخلة ليقتلوه لم يفزع ولم يجزع بل أخذ ينظر إليهم ويقول لقد جمع الأحزاب حولي وألبوا قبائلهم واستجمعوا كل مجمع إلى الله أشكو غربتي ثم كربتي وما أرصد الأعداء لي عند مصرعي ولست أبالي حين أقتل مسلما على أي جنب كان في الله مصرعي وذلك في ذات الإله وان يشأ يبارك على أوصال شلو ممزع ولما دخل سعد بن أبي وقاص على ملك الفرس صرخ في وجهه.
وقال جئتك بقوم يحبون الموت كما تحبون أنتم الحياة، وفي معركة أحد يكثر القتل بالمسلمين وتتسابق سهام الكفار إلى رسول صلى الله عليه وسلم، فكان أبو طلحة رضي الله عنه يرفع صدره ويقول يا رسول الله لا يصيبك سهم نحري دون نحرك نعم ما دام أن الموت في رضا الرحمن فمرحبا بالموت، بل كانت المعاصي والشهوات والآثام والملذات تعرض على الصالحين فلا يلتفتون إليها فيهددون بالموت فيختارونه فربهم أعظم عندهم من كل شيء.