“هذا نصّ” الشّاعرة كوثر غانم
“حوار على رصيف الغياب”
تلحّف المساء برداء الملل ، وقادتني خطاي المرتجفة إلى المقهى القديم؛ أبحث عن بقايا أثر لشيء افتقدته بشدّة. كان الرّصيف الذّي يتلألأ بالأمس بضحكات الرّواد يغرق الآن في كآبة صامتة. أردت الجلوس قليلا، سحبت كرسيًّا خشبيًّا من الزّاوية فإذا به مكسورًا ، شعرت وكأنّه مرآة لقلبي الحزين؛ كلاهما تحطّم بعد أن غادره صاحبه. كلّ شيء في هذا المكان رحل دون عودة، فقدت الرّغبة في البقاء، بينما كنت غارقة في شرودي، ركنت سيارة حِذوي. ترجّل منها رجل تجمّدت نظراتي على ملامحه. إنّه هو.. صديقك المقرّب. نفس الملامح التّي نُقِشَت في ذاكرتي يوم رحيلك.اقترب منّي، مدّ يده يصافحني وعيناه تلمعان بدمعة حبستها مقلتاه. نظر إلى الفراغ ، وقال بنبرة مخنوقة ـ :لا زلت في حيرة من أمري.. إلى حدّ هذه اللّحظة، لم أستوعب بعد كيف رحل صديقي وصار بعيدًا..لم يَعد بيننا..!
نظرت إليه بعتاب صامت. كنت ألومه في سرّي لأنّه نبش دفترًا جاهدت لإبقاءه مطويًّا في أعماقي. تنهّدت، وقلت له بنبرة مكسورة ـ : ذاك القدر .. ومن منّا صدّق .. ؟ هل هو حلم ام حقيقة …. ؟ تابع الصّديق وهو يتأمّل وجهي الشّاحب من الحزن ، أراه في كلّ زاوية، هنا.. المقهى صار باهتًا بدونه.فأجبته وأنا أقف مغادرة ألملم عباءة حزني ـ : مضت أشهر على رحيله، ولا زلت أنزف كلّما ذُكر اسمه.. اعذرني، لم أعد أحتمل البقاء.
هربت من المقهى ومن الذّكريات، وعدت مسرعة إلى بيتي، ملاذي الأخير. دلفت إلى الدّاخل وأغلقت الباب، فاستقبلتني صوره المعلّقة على الجدران. نظرت إليها وقلت هامسة وعبراتي تخنقني :أنتِ الوحيدة التّي تراقبنني بنظراتك الدّافئة، وكأنّكِ تضمّدين جراحي..
رأيتُ قلمي ملقًى على الطّاولة، وكتابيَ المفتوح على صفحات بيضاء بلا روح.
خاطبتُ طيفك السّاكن في زوايا الغرفة ، لماذا تعوّد قلمي لغة الصّمت القاسي؟ إنّك قريب هنا.. تمرّ في بالي كفكرة تجعل الزّمان أقلّ يقينًا وأكثر وجعًا
نظرت إلى النّجوم من النّافذة ناجيتها بمرارة امرأة مكلومة لقد علّمتني معنى الغياب. ودرّستني لغة الصّمت، فلماذا لم تعلّمني ولو لمرّة واحدة أين يقع مرفأ النّسيان؟
سكبت قهوتي التّي سرعان ما بردت، وجلست في مقعدك المعتاد. نظرت إلى الفراغ أمامي وتخيّلت ابتسامتك التّي كانت تملأ المكان، فقلت للسّراب :كلّ يوم أرتشف قهوتي وحيدة دونك.. أتذكّر كلماتك التّي تاهت بين ضفائر الزّمن. تركتني ورحلت دون موعد مسبق، تركتني أرتّق وحدتي بالدّموع.
لم يُرجِع لي الصّمت أيّ جواب. التقطت قلمي مجدّدًا، وفتحت الدّفتر لأرسم وجع الغياب وأدوّن صرخاتي .
بقلم: الشّاعرة كوثر غانم 
وهذه قراءتي…
*************************
نمنمات وجع يتأرجح بين الغياب واليَباب
حين تشتاق الرّوح إلى صِنوها
ترمق الذّوات والأشياء وكلّ الذّكريات،وتستدعي تلك التّفاصيل التّي تحاصرها في الغدوّ والآصال،حينها يتعب ذاك الجسد من الأوجاع وتتعب تلك الرّوح من الأوهام… إنّها ندوبٌ تطال كلّ شيء فينا. فيتشوّه الحلم وتتفتّح مواجع على أعتاب لا تدرك لها مرافىء. وقد نتذكّر في لحظة ما كلّ الذّين رحلوا عنّا حين نشمّ عطرا يشبه عطرهم، أو حين تهمس موجة حائرة فارّة من الهاجرة بما كانوا لنا به يهمسون ذات دهر مرّ وولّى،وقد تحاصرنا التّفاصيل الصغيرة وتشدّد علينا الخناق كرائحة قهوة تتوشّح بسواد لونها كتوشّح ذكرى بلون الغياب،تلك الذّكرى العصيّة عن النّسيان تُراوغنا، تحاربنا،تجتثّنا من عمق أعماقنا بلا هوادة وتظلّ الأشياء تصرخ فينا، تطفو على مرّ الأيّام لا هي تُريحنا ولا هي ترتاح، ولا هي تهملنا ولا تعود، ولا هي تمهلنا لنأخذ نفسا نقيّا يريحنا من شقاء وجوديّ يثقل كاهلنا. ونحاول رغم الغياب ان ننسى أو نتناسى وجع الرّحيل حين يحرقنا وهج كلمات كنّا نسمعها، أو ألحان كنّا ندندنها مع ذوات سكنت منّا مغاور الوجدان،تغلغلت فينا،رسمتنا بألوان قزحيّة،ألوان تقارع الغياب وتحاول محو ملامحه الخؤون، ونحاول نحن النّسيان، ولكنّنا في نهاية المطاف نُصاب بالهذيان أمام مُحال يظلّ ينتظر على رصيف الغياب حتّى يملّ الانتظار ويملّه…
1/ رصيف الغياب سؤال بلا جواب
جاء نصّ السّاردة «كوثر غانم» ليسرد تفاصيل سِير متداخلة: سيرة زمان أثقله الغياب، سيرة مكان سألته فلم يسعفها بالجواب، سيرة ذات مكتظّة بالذّكريات، تتفجّر فيها الشّهقة تلوى الشّهقة، مرارة تضاهي مرارة الهجر والحرمان حدود الضّياع والاغتراب، اغتراب له مداه وصداه، مكانه «المقهى القديم» وخطاه» البحث عن ملامح الرّصيف» الذّي كان بالأمس» يتلألأ بضحكات الرّواد»، لكنّه اليوم» غرق في كآبة صامتة» وبين الأمس واليوم مسافات ومسافات جعلت السّاردة «غارقة في شرودها» لا ملامح لذاك الماضي، لا مكان إلاّ للصّمت والدّموع والآهات والتّنهيدات والانكسار… وقد أقامت «كوثر غانم» محاورة بين الرّصيف (مدلول) والغياب (دالّ) راوغت فيها المتلقّي محاولة إعلاء الأسوار بينها ساردة وبين مسرودها، ولكنّ الأسوار تهاوت. فجاء «الرّصيف» أنا السّاردة و»الغياب» حاضرها الأليم…. وتمتدّ جذور الحضور الجسديّ (واقعا) ليقابله الغياب الرّوحي (رمزا) الذّي ملّ الانتظار وكلّ الأعذار، ذات مُثقلة بالانجراحات، تُكابد، تُعاند، تنزف، تطاردها رغبة ملحّة في الهروب «من المقهى والذّكريات» تبحث لها عن ملاذٍ يُنسيها العذابات ولكن هيهات ثمّ هيهات….
/2جدليّة الحوار بين ضفّتي الحضور والضّمور:
تتعمّق مأساة السّاردة التّي ترسمها ريشة «كوثر غانم» فتنتفي المسافات بين ذات تَسرد وبين مسرودات تُسرد. فيسقط القناع حين تغرق الأنا في تلافيف «صور معلّقة على الجدران». إنّها جدران الصّمت والغياب، جدران حَوت صورا بكماء خرساء مثّلت – وهي جاثمة على الجدارن – تلك الأوجاع في عمق الكاتبة حينا وفي عمق السّرد حينا آخر، إنّها لعبة سرديّة تتأرجح بين التّخفّي والتّجلّي ، لِعبيّة لم تبلغ حروفها مرفأ النّسيان والتّعزي. فسقط قناع السّاردة وانسكبت محابر الدّموع مِدرارا في قهوة حرفها الأوّل هو القهر، وحرفها الثّاني هو الهاوية، وحرفها الثّالث واو نُدبة، وحرفها الأخير هو التّيه، وكلّها متعانقة ترسم ذاتا مقهورة تنزف قواها الذّكرى «أتذكّر كلماتك». فالذّاكرة هنا تأبى النّسيان، ما يرسم ذاتا في قاع الهاوية «ترتّق وحدتها بالدّموع» ذاتا تقيم طقوسا جنائزيّة على وقع نمنمات «وجع الغياب»،ذاتا تحيا في غياهب التّيه تدوّن صرخاتها المكلومة في سرد تعبييريّ فيه ألوان من القتامة شتّى، وفيه إيقاعات فيها من الشّجون ما به ومعه تنتحب سماء الحروف والكلمات،وفيه نوتات ناي مقاماته متنافذة مترافدة تذوب حُرقة واحتراقا وانكسارا «الكرسيّ الخشبيّ المكسور» الذّي جمع حضوره بين الحقيقة والوهم،جمْع انتفت فيه المسافات السّرديّة، انتفاءً تداخلت فيه الخطابات وتوحّدت فيه الضّمائر…
3/رصيف الغياب رجع ناي سقط عنه الحِجاب:
إذا أردنا ان نغوص في تلافيف هذا السّرد وهذه الرّحلة القصيرة التّي لم تدم إلاّ ثوانيَ وان نحاول الإصغاء إلى صوتها الدّاخليّ المبحوح الفناه صوت ناي حوى تسع عُقل(العُقلة في آلة النّاي هي كلّ جزء من القصبة المجوّفة المحصورة بين عُقدتيْن طبيعيّتيْن ذات ابعاد ومسافات صوتيّة) وهي: موت، رجفة، غربة، احتضار، احتراق، شهقات، جروح انين، صراخ، إنّها عُقل ذات أصوات كلّها حشرجة تمتدّ وترتدّ عبر تموّجات رسمت متلاحمة معاناة( الكاتبة) السّاردة وهي تتخبّط في عتمة التّيه والضّياع بعد ان فقد المكان ملامحه والصّورة الوانها وإيقاعاتها. إنّها إيقاعات تلاحمت مع العُقل لتنساب نغماتها في ستّة ثقوب أو فتحات )الفتحة في النّاي هي محدّدة الطّبقات والنّغمات الموسيقيّة( وهو ما رسمته «كوثر غانم» في سردها التّعبييريّ ثقوب نغمات عزفتها اناملها – وهي تنكتب على مرافىء البياض- نغمات مختلفة لرصد تفاصيل ودرجات ،وهذه الثّقوب هي: ثقب أوّل: هو أنّة تلاها خيط حنين اكتوت به السّاردة إلى ذاك الغائب،ثقب ثانٍ: هو غنّة طائر جريح تردّد صداه في لحظة انفلتت فيها الذّاكرة من عُقالها، ثقب ثالث:رنّة ظلّت تسكن جوانح السّاردة في الصّحو والمنام، ثقب رابع: قصّة نسجتها حروف مبحوحات مبلّلات بدموع الاشتياق إلى ماضٍ لن يعود،ثقب خامس: جنّة فقدتها «الأنا» في ظلّ قسوة اللّيالي والأيّام، ثقب سادس: مِنّة تنتظرها الذّات المتكلّمة علّها تُشفى من جروحها التّي تركت ندوبها على مشارف الرّوح والجسد… إنّها نغمات موسيقيّة تُخفيها الذّات السّاردة عن العيون حينا وتجلّيها في لحظات اختلاء الذّات بذاتها في طقوس بوح واعتراف،ما يترك في المتلقّي بصمة لها وقعها وإيقاعاتها….
«رصيف الغياب شجو ألحان عِذاب» ولم تكتفي السّاردة بناي واحد،بل استنجدت بغيره ليصل صوت شجاها في شكل سلالم نغميّة صمّمتها «كوثر غانم»، بدقّة لإثارة استجابة عاطفيّة عميقة في مقامات هي: مقام» الصّبا» حينا ، ومقام «الحجاز» حينا آخر، ومقام «النّهاوند» حينا ثالثا، وعدم الاكتفاء هذا طال آلات العزف ايضا، إنّه النّاي حينا، والشّبّابة حينا آخر، والمِزمار حينا ثالثا وصولا إلى «الأرغول» وهو مجال واسع عميق فجّرت فيه الكاتبة ثورة عواطفها المائجة الهائجة لحظة التّذكر، وكلّ هذه الآلات والنّوتات والمقامات تعانقت في حضرة ناي «الشّاه» او «الشّهناي» في لحن جنائزيّ مُنساب انسياب دمع مُنهلّ في ظلّ غائب ترك كيانها مُنهدّا والطّريق أمامها مُنسدّا وعرق جبينها منصبّا لا تعرف إلى أيّ المرافىء تنضمّ؟
4/رصيف الغياب مدن من الضّباب:
راوح سرد «كوثر غانم» بين عدّة أرصفة: رصيف الغياب، ورصيف الانتظار، ورصيف الاحتضار، ورصيف الانكسار،أرصفة تنافذت وتعاضدت بحثت من خلالها السّاردة عن رصيف الانتصار على آلام كبّلتها في رحلة أبديّة تتأرجح فيها الذّات الإنسانية بين عدّة ثنائيّات ك: الوجود والعدم/ الكينونة والعبث/ الفعل والزّمن / العقل والعاطفة/ الأنا والآخر/ في مظاهر من الصّراع بل صراعات خاضتها السّاردة في لحظات عابرات لم تدم إلاّ ثوانيَ معدودات،ولكنّها لحظات جارحات صارخات تمرّدت على الكاتبة في محاورة شفيفة وبوح له من الحفيف ما له حين لامست السّاردة تلك الأشياء، وله من رفيف الرّوح ماله،روح تهتزّ كلّما لامستها الذّكريات في طقوس من العَذاب لها الوانها العِذاب….
من قبيل النّهاية…
لقد جاء سرد «كوثر غانم» «حوار على رصيف الغياب» في نمط حكائيّ جمع بين بنية النّثر وتقنيات الشّعر رامت من وراءه نقل مشاعرها الذّاتية في ضرب من التّداخل مزج بين التّكثيف الشّعري(المجازات والرّموز) والبعد النّفسيّ (القلق والتّوتّر) والمعادل الموضوعيّ (استعمال الأشياء الجامدة) (المقهى القديم ،الرّصيف، الكرسيّ الخشبيّ المكسور). وقد انساب هذا في لغة مُوحية تلمّح ولا تصرّح،تمتدّ حينا وترتدّ حينا آخر،إنّها اشكال تعبييريّة وردت في لوحة فنيّة متكاملة ذات ابعاد جماليّة بعيدة عن التّكلّف والتّعقيد. وقد اتّسمت هذه اللّوحة بقتامة، غابت عنها الألوان،وهو ماسمح باتّساع مجالات القراءة والتّأويل من جهة، وخلق تجربة شعوريّة وفكريّة عميقة من جهة أخرى، تجربة تعانق المتلقّي وتدعوه إلى تفجير مكامن الجمال والانزياح،وإماطة اللّثام عن تجاويف سرديّة تغري القارىء (المتلقّي) بالتّفكيك لإدراك الكائن نحو الممكن…..
برؤية :د.النّاقدة حياة بربوش

