عندما نتناول ظاهرة الفساد بمفهومها العام، نجدها منتشرة بأشكال متعددة؛ فمنها الفساد الإداري والمالي، والأخلاقي والسياسي. لكن محور حديثي هنا يتمثل في ما أطلق عليه “فساد الأمكنة”، وهو ذلك الفساد المُتجذِّر في المواقع التي يُساء استخدام السلطة فيها، وتُوجَّه لخدمة المصالح الشخصية عبر مركزية متسلطة.
يُعد فساد الأمكنة من الآفات الخطيرة التي يمكن ممارستها فرديًا أو جماعيًا، وبدرجات متفاوتة تبعًا للموقع الذي يشغله المُفسد، والذي يسعى من خلاله إلى تحقيق أهداف ذاتية، سواءً بالإبقاء على منصبه أو تحقيق مكاسب شخصية على حساب المصلحة العامة.
ففَسادُ الأمكنةِ هو الحقيقةُ المُرةُ التي تتخفَّى وراءَ أقنعةِ السلطةِ والمناصب، كائنٌ خفيٌّ يزحفُ في ممرّاتِ المؤسسات، يَسرقُ من ضوءِ النوافذِ بصيصَ الأمل، ويُحوّلُ بيوتَ العملِ إلى سُجونٍ للروحِ والعقل.
ويمتد هذا النوع من الفساد إلى جميع المواقع التي تهيمن عليها المركزية المتسلطة في جوانبها القيادية المختلفة ، فالمركزيةُ المتسلطة شجرةٌ سامّةٌ تمدُّ جذورها في تربةِ الأنظمةِ العقيمة، تَرشفُ عصارةَ الإبداع، وتُظلّلُ على بذورِ الموهبةِ حتى تذبل، فيصيرُ الموظفُ ظلًّا لذاته، أسيراً للتعليماتٍ لا يَفهم، خادماً لقراراتٍ لا يُشارك.
فانتشار المركزية المتسلطة التي تفرضها القيادات في مؤسسات الدولة يخلِّف آثارًا سلبية عميقة، تتمثل في إعاقة تقدم وازدهار هذه المؤسسات، وإضعاف الكفاءات المهنية والقيادية لدى العاملين فيها. وذلك إما بالاستئثار بالصلاحيات أو بتعيين أشخاص في مناصب قيادية غير مؤهلين لها، مما يحولهم إلى مجرد منفذين لأوامر القيادة العليا دون قدرة على اتخاذ القرار أو إبداء الرأي، في ظل بيئة تُحوِّر اللوائح والقوانين لصالح النخبة المسيطرة.
فكلما زادت المركزية المتسلطة في قيادة أي مؤسسة، كلما ارتفعت معدلات فشل قراراتها، وتراجعت الشفافية، وضعفت الرقابة الإدارية والمالية، وتدهورت الخدمات المقدمة للعاملين، وسادت حالة من اللامبالاة وانخفاض المعنويات، مما يُضعف قيمة الكفاءة ويؤثر سلبًا على تقدم المؤسسة.
فأينَ الكفاءاتُ من هذه المعادلةِ البائسة؟
أينَ صوتُ الموهوبين بينَ ضجيجِ الأوامرِ العليا؟
إنها تُسحقُ تحتَ عجلاتِ “الأنا” المُتضخمة، وتغرقُ في بحارِ البيروقراطيةِ الراكدة.
ولعل هذا يفسر تفوّق القطاع الخاص في كثير من الأحيان على مؤسسات القطاع الحكومي ،ففيه تُزرعُ الكفاءةُ في تربةِ الثقة، وتُسقى بندى الحريةِ والمسؤولية، فيشتبكانِ معاً ليُنتجا شجرةَ النجاح ، حيث تكاد تختفي المركزية المتسلطة، على عكس ما يظنه البعض من أن سيطرة صاحب رأس المال تعني المركزية. فالحقيقة أن القطاع الخاص يعهد بالمناصب القيادية إلى الكفاءات المؤهلة، ويمنحها الصلاحيات الكافية لتحقيق النجاح، دون فرض هيمنة مقيدة، مع التركيز في النهاية على النتائج.
ولتحقيق تقدم حقيقي في مؤسساتنا، لا بد من مواجهة فساد الأمكنة والقضاء على المركزية المتسلطة وتبني أنظمة اللامركزية في اتخاذ القرارات، باختيار القيادات بناءً على الكفاءة الحقيقة ومنحهم الحرية والصلاحية اللازمة لأداء مهامهم والاستفادة منها، مع بناء أنظمة رقابية فعالة، والاكتفاء بالتركيز على النتائج بدلاً من التسلط المستفز كما هو فى القطاع الخاص.
فالسؤال الذي يظل مطروحًا: متى تنتهي هذه الآفة من مؤسساتنا وتزول معها هذه المعوقات والممارسات المعيقة للتقدم لننطلق نحو التميز والتطور؟
فيا سادةَ القرار، أليسَ حريّاً بنا أن نتعلمَ بأن نُزيلَ هذه الجدرانَ العاليةَ بين المكاتب،
ونبني جسوراً للثقةِ والشفافية؟
ونجعل المركزيةُ المتسلطة تتهاوى برياحِ التغييرِ الجريء، فهل نُضيءُ شمعةً في هذا الظلام؟
أم نبقى ننتظرُ معجزةً من السماء؟

