حوريّة والوحش:وجع سيزيفيّ من رحم أنثويّ(جزء أوّل)…
لم يعد الأدب النّسائيّ مجرّد مساحةٍ للتّعبير عن الذّات، بل أصبح أداةً لتفكيك الصّمت في مساحاتٍ شديدة الخصوصيّة. ويمكن للأدب بشتّى ضروبه تحويل الآلام المتولّدة عن تجارب حياتيّة إلى طاقةٍ للمقاومة وإعادة بناء الذّات. فتغدو الكتابة – من هذا المنطلق- سبيل المرأةِ الوحيد لئلّا يلتهمها الألم ويسجنها نفسيّا وجسديّا.فالكتابة الأنثويّة هي شكل من أشكال التّحرر الذّاتي والسّعادة واستعادة وجودها الكامل. ويساعد تصوّر الكتابة هذا على تسمية الألم ثم مواجهته، وترميم الجراح الدّاخلية عبر بناء مسار سرديّ يصير فيه المسرود وسيلةً للتّطهير النّفسيّ وسبيلاً للشّفاء.وهنا تتّضح لنا أهميّة البوح. إذْ تحوّلت الرّواية النّسائيّة إلى حقلٍ إبداعيٍّ تستعيد فيه الكاتبات أصواتهن، ويكتبن أوجاعهن عبر كشف التّفاصيل الخفيّة وغير المسموعة لتلك التّجارب التّي ظلّت طويلاً حبيسة الصّمت.وهو ما يسهم بشكل جليّ في تقديم رؤيةً مغايرةً تعيد الانتباه إلى الذّات الأنثويّة خارج الصّورالجاهزة والتّمثلات السّطحيّة التّي فرضتها الثّقافة السّائدة. فعندما تضع المرأة تجاربها الحياتيّة أمام القارئ تمنح النصّ بُعداً مزدوجاً سرديّاً يكشف عمّا يُعاش من تجارب، وعلاجيّاً يرمّم ما خلّفه الصّمت والتّشظّي في لحظة من لحظات الانكسار.فتتحوّل التّجارب الحياتيّة إلى مادةً لغويةً قادرةً على ترميم الذّات ولملمة انجراحاتها.وهذا التّصوّر الأدبيّ نجد صداه أيضاً في علم النّفس العلاجيّ الذّي يقترب من الأدب في اعتباره الكتابة أداةً لإعادة بناء التّجربة الدّاخليّة وترميم أثر الصّدمات. إنّه نوع من التّفريغ العاطفيّ. وهو ما يُتيح للكاتبة إعادة صياغة التّجربة من منظورٍ خارجيٍّ وفهم انفعالاتها، ومعالجة الألم النّفسي بطريقةٍ أكثرَ وعياً وسيطرةً على الذّات. بهذا يتحوّل الإبداع إلى أدواتِ مواجهةٍ، ليس للآخرين فحسب، بل للذّات أيضاً في بحثها عن متنفّس آنيّ وإماطة اللّثام عن ذاك التّداخل بين ما تشعر به وما تفكّر فيه. وهو ما يمنحها مساحةً آمنةً لإعادة تنظيم تجربتها الدّاخلية. فالأفكار عندما تُكتب تصبح “مرئيةً قابلةً للتّحليل والفهم والإدراك” وصولا إلى إعادة البناء المعرفيّ. فتغدو الكتابة -هاهنا- أداةً فعّالةً لترتيب الأفكار وتفكيكها.
وتمثّل الكتابة الرّوائيّة بتعدّد تجاربها مساحةً للتّشريح النّفسي “للعواطف والجسد والذّاكرة”. فيصبح السّرد بكلّ تمظهراته فعلَ مواجهةٍ واستحضارٍ ورغبة في استرجاع ذاك التّوازن المفقود عبر وصف الألم وصفا دقيقا، وذلك “بتفكيكه وفهمه وإعادة صياغته صياغة ذات دلالات ورمزيّات” على علاقة جدُّ ّوطيدة بذاك الشّرخ الدّاخلي وبتلك الرّواسب المؤلمة في مرحلة من مراحل الحياة.إنّه التّحرّر من سلطة الجرح إلى الرّغبة في البوح في لغة تنفصل بدورها عن ذروة الألم فاتحة ذراعيْها إلى نسائم الأمل، أمل يتجاوز معه السّرد دروب المأساة إلى معانقة صوت ثمل جروحا ومعاناة، شُفيَ وتعافى من علّته .فعانق الفرد في لحظة انعتاق انسانيّة الإنسان بعيدا عن الخطاب السّائد حول الجسد والذّات وعن تلك الصّراعات التّي تخوضها الذّات الأنثويّة لإثبات وجودها وكينونتها.
وقد أسهم حضور تيمة المرض في الرّواية العربيّة عموما وفي رواية”فاطمة محمود سعد الله” “حوريّة والوحش”خصوصا في تنويع مواطن السّرد وتعدّد الأصوات السّرديّة وتشظّي الأزمنة لتجزم مجتمعة أنّ الكتابة لم تعد ممارسةً فرديّة،بل هي فضاءٌ مشتركٌ تتجاوز فيه التّجربة الفرديّة حدودَ النصّ لتخلق فضاءً تتقاطع فيه التّجارب وتتجاوب فيه الجراح فتجد النّساء فيه صوتهنّ المشترك في ضرب من الوعيٍ الجماعيّ أساسه المواجهة والبحث عن عزاء يضادّ العزلةَ، حينها تتشكّل سرديّةٌ مشتركةٌ تنتجها النّساء تستند إلى حبّ الذّات والرّعاية المتبادلة، والتّعافي الجماعيّ فعلاً اجتماعيّا وانسانيّا، لا مجرّد تجربة فرديّة تروي ذاتها بذاتها عن ذاتها.إنّها ليست ترفاً إبداعيّاً، بل شكلاً من أشكال البقاء. فالكلمات لا تعالِج الجرح، لكنّها تمنحه اسماً وتجعل العزلة أقلّ قسوةً، وتعيد للمرأة الحقّ في أن تعرّف نفسها بنفسها بعيداً عن الصّور الجاهزة التي نمّطتها وكتمت صوت البوح فيها،ودنّست جسدها وطمسته وخنقت فيه حتّى التّعبير عن شعوره بالألم…
شعريّة الألم في الكتابة الأنثويّة:
تُعدّ علاقة الجسد بالألم شكلا من أشكال المزج بين الإدراك والعاطفة، أي بين الدّلالة والقيمة، فليس الجسد هو من يتألّم، وإنّما الفرد في معنى حياته وقيمتها فالألم تحطيم للهويّة،ومساحة لامحدودة للتّأمّل والاستبصار في الذّات والآخر والوجود في ظلّ شعريّة جدّدت في بنيات النّصوص ومتونها السّرديّة المنفتحة على الذّات في جدلها المستمرّ مع العالم، شعريّة أضفت على النّسيج السّرديّ نوعا من التّأثير الدّراميّ المحمّل بترسيمة ألم متوارية خلف عدد من التّيمات ذات الجماليّات المختلفة، وذلك وفقًا للمفاهيم الظّاهراتيّة، التّي تُعنى بدراسة إنتاج الدّلالة، مبتعدة قدر الإمكان عن الأيديولوجيّات المؤثّرة، ومركّزة على معنى أنَّ النّص عالـمٌ تخييليّ مستقلّ عن الواقع، وهو محدود في أنَّه تجسيد لوعي النَّاص بنصّه، وتركز في بحثها عن موضوعاتيّة النّص الحاملة لمعانيَ متشظية، في فضاءات المبدع الخاصّة.
فرواية الألم لَيْسَت تَجميعًا عشوائيًّا لِتجربة السّاردة وخصائصِها وتفاصيل معاناتها وأحلامِها، ،إنّما هي” نظام إنسانيّ مُتكامل، تَندمج فيه رَمزيةُ اللّغةِ معَ مركزيّةِ الألمِ لِتَوليدِ فَلسفةٍ اجتماعيّة تُؤَسِّس لحالة تَوَازُن بَين حَتميةِ المَوْتِ والشّعور بالألم من جهة، والبحث عن الخلاص من جهة أخرى….فانبعاث الألم في التّفاصيل اللّغوية العميقة يكون مِن أجْلِ تَمجيدِ صمود الذّات،وتشبّثها بالحياة ، ففي “لحظة ما يَتَفَجَّر ضَوْءٌ في أقاصي الشُّعور وأعماقِ المَعنى.” ضوء يطال المتن الرّوائيّ .فيكثّف من رمزيّته ويعقّد شفراته ويزيد من طاقاته التّأويليّة. فتكون الولادة من رحم العدم والانبعاث من تحت الرّماد… فكُلَّمَا تَجَذَّرَ الألم في تفاصيل البناء اللّغويِّ، إلاّ وتَكَرَّسَت العَلاقةُ الفلسفيّةُ بَيْنَ الحَيَاةِ والمَوْتِ، والوُجودِ والعَدَمِ، والبَقَاءِ والفَنَاءِ، فالألَم لَيْسَ “شُعورًا هُلاميًّا مُجَرَّدًا، وإنَّما هُوَ نظامٌ فلسفيّ، وشكلٌ مِن أشكالِ الانبعاثِ الدّائم”.فمركزيّة الألَمِ في الرّواية النّسائيّة تمنحها بُعْدًا جَمَالِيًّا وتكثيفا شعريّا، حَيْثُ تُصبح غُربةُ الرُّوحِ في البَدَنِ زَمَنًا مُتَدَفِّقًا في الهُوِيَّةِ المَعرفيّة للوُجود الإنسانيِّ، وَيَتَحَوَّل اغترابُ الجَسَدِ في التُّرَابِ إلى تَجربةٍ سرديّة لها أسرارُها المُستمدة مِن الصُّوَرِ الفَنِّيةِ ، ولها جُذورُها الرّاسخة في الرّوابط الإنسانيّة النّبيلة”.
*التّصميم الهيكليّ لرواية”حوريّة والوحش”…
*الكاتبة:فاطمة محمود سعد الله
*ابنة مدينة قبلي.
*ناشطة بالمجتمع المدنيّ.
*رئيسة جمعيّة ملتقى الحرف الأصيل.
*عضوة باتّحاد الكتّاب التّونسييّن.
صدر لها:
1/القصّة
*الزّواج الأبيض(2006).
*الصّعود إلى الأعماق(2008).
2/السّرد:
*سرديّات وذات:(2018).
*سرديّات وتجليّات:(2023).
3/الشّعر:
*أمواج وشظايا(2015).
*حِبر الياسمين(2017).
*هويّتي واحة نخيل(2018).
*إشراقات حرف(2019).
*قصائد معلّقة على حبل التّمرد
.(2019)
*كلمات تقترب غواية البوح
.( 2020)
4/ الرّواية:
*من ذاكرة الفرح(2023).
* حوريّةوالوحش(2025)ط1.
عن مطبعة الثّقافيّة المنستير،
تونس
*عدد الصّفحات 171.
*عدد الفصول :سبع وعشرون فصلا معنونة ،تتفاوت من حيث عدد الصّفحات وتتكامل سرديّا.
– الإهداء،ص3.
-التّصدير،ص4.
-التّقديم بقلم د. “وفاء عبد الرّازق”
(العراقيّة).”ص7 / 6.
– بطاقة شكر،ص8.
-الفصل الأوّل: في حقل الذّكريات
(ص10- ص15).
– الفصل الثّاني:خطّان متوازنان
(ص16- ص27).
-الفصل الثّالث: في الحمّام الشّعبيّ
(ص28 – ص30).
-الفصل الرّابع: غيمة تمطر في الذّاكرة(ص 31 – ص 36)
-الفصل الخامس:حوريّة
(ص37-ص42)
– الفصل السّادس: في قاعة الانتظار (ص43- ص48).
-الفصل السّابع:بين القبول والرّفض (ص49-ص52).
-الفصل الثّامن:الهروب
(ص53-ص 56).
-الفصل التّاسع:الفراولة أمير الرّبيع
(ص57-ص61).
-الفصل العاشر:في المأتم
(ص63-ص65).
-الفصل الحادي عشر: هندة والمحطّة الأخيرة(ص66-ص70).
-الفصل الثّاني عشر: جلسة الشّيميو الأولى(ص 71-ص 75).
-الفصل الثّالث عشر:مملكة الحُور
(ص76-ص81).
-الفصل الرّابع عشر: خيرزاد
(ص82-ص87).
-الفصل الخامس عشر:بين الشّعر والبحر(ص88-ص95).
-الفصل السّادس عشر:أنا لستُ أنا
(ص96- ص102).
-الفصل السّابع عشر: الحلم
(ص103-ص109).
-الفصل الثّامن عشر:الحجّ إلى القبور(ص110-ص113).
-الفصل التّاسع عشر:استئصال الثّدي(ص114- ص126).
– الفصل العشرون: حوريّة وعمر حمامتان في وجه الرّيح ويمامتان في عشّ البقاء(ص127- ص130)
– الفصل الحادي والعشرون: بين غياهب الرّعب(ص131-ص136).
– الفصل الثّاني والعشرون: الرّيحان ينقلب شوكا
(ص137-ص 139).
– الفصل الثّالث والعشرون: اليد الواحدة قد تصفّق
(ص140-ص145).
-الفصل الرّابع والعشرون: أيّ معجزة سنجّيك يا كبدي
(ص147- ص150).
-الفصل الخامس والعشرون:العودة
(ص151- ص 155).
-الفصل السّادس والعشرون:ميلاد وداديّة مرضى السّرطان
(ص156- ص 161).
-الفصل السّابع والعشرون: الورقة الأخيرة لن تسقط
(ص162-ص 167).
الفهرس:(ص169- ص171).
حوريّة تصارع الوحش بإرادة أنثويّة:
يتجلّى الجسد الأنثويّ في الرّواية العربيّة ساحة للصّراع، تخوضه المرأة ضدّ السّلطة حينا والذّكورة حينا آخر والمرض حينا ثالثا.وهي مستويات من الصّراع تروم من خلالها الكتابة النّسائيّة انتزاع البقاء من براثن الفناء بإرادة لا تعرف الانكسار .فيأتي صوتها وهي تتكلّم، تحكي، تروي، لتكشف عن معاناة ذاتها. فيغدو الجسد – من هذا المنطلق – مساحة مقاومة من خلال عديد التّمظهرات فهو ينزف، يتمرّد، ويتمسّك بصوته رغم كلّ شيء في مسار سرديّ متماسك، تصير الكتابة فيه ليست مجرّد حكاية، بل هي “سلطة لها غوايتها” التّي يقسّم فيها الصّراع إلى دوائر ، لکلّّ منها طبيعته وخصائصه واتّجاهاته.وكلّها متآلفة ترسم نسق الرّواية الكليّ. ويتجلّى الصّراع في رواية “حوريّة والوحش” للكاتبة ” فاطمة محمود سعد الله” من خلال:
1/ سيميائيّة العنوان:
تعدّ سيميائيّة العنونة أو “النّص الموازي” من القضايا النّقدية المهمّة التّي خاض فيها النّقاد المحدثون، فالعنوان يقوم بدور أساسيّ في فهم المعاني العميقة للعمل الأدبيّ ، ومن هنا كان الاهتمام به أمرا حتميّا لأنّه أوّل عتبات النّص التّي يمكن من خلالها الولوج إلى عوالم المتن الحكائيّ واكتشاف كنهه،ومن ثمّ تقديم رؤية حداثيّة نقديّة مؤسّسة على منهج دقيق ومنطلقات نظريّة تسهم في كشف معالم النّص الخفيّة ومكامنه الدّلاليّة و دهاليزه العلاماتيّة وما يواري من أبعاد وأفكار مختلفة، تنشدّ إلى انسجام محكم و نسيج محبوك بين العنوان وعتبات النّص ومتنه .فلا مكان للاعتباط الدّلالي بين عناوين الرّوايات النّسائيّة ومتونها. فالعنوان من منظور تكوينيّ يمكّننا من فهم إيديولوجيّة المؤلّفة والظّروف التّي كتبت فيها روايتها،ولهذا فإنّ التّحليل السّيميائيّ يستوعب كلّ هذا ويضعه ضمن استراتيجيّاته. فقد أصبحت المقاربات النّصانيّة منهج بحث نقديّ،ونظريّة علميّة تطرح العديد من التّصورات والرّؤى منهجا وممارسة.
ويشكّل العنوان واجهة علاماتيّة تأخذ شكل(الجملة المفتاح) تمارس على القارئ سلطة أدبيّة وفكريّة يعمل القارئ على افتكاك بنيتها اللّغوية والدّلالية،
وذلك بتبيّن تلك العلاقة التّكامليّة بين نصّ مُقيّد موجز مكثّف ،وآخرمُنفتح طويل، فنصّ العنوان مكثّف مخبوء في دلالاته بما يحمله النّص المطوّل بشكل موحٍ إشاريّ مكثّف، ويظلّ العنوان على الرّغم من دلالته المعجميّة السّطحيّة في اللّحظة الاستكشافيّة الأولى، خاضعاً لاحتمالات دلاليّة مختلفة، لا تتّضح جدواها إلاّ من خلال القراءة التّأويليّة ، لذا لابدّ من استراتيجيّة منهجيّة ترصد تموّجاته المشاكسة والمخاتلة داخل النّص، وهي مخاتلة تمويهيّة، تجعل القارئ في حيرة من أمره، تربكه إرباكا قهريّا.فيهرب إلى تلافيف المتن الحكائيّ مستعينا بالحواشي والهوامش والمقدّمات والمقتبسات والأدلّة الأيقونيّة علّه يفكّ شفرات النّسيج السّرديّ.
ويدرك النّاظر إلى معظم الدّراسات المعتمدة على مقاربة العنوان بشـكل واضح الأهميّة التّي يحظى بها باعتباره ” نصّا مختزلا ومكثّفا ومختصرا ” يحمل في طيّاته خصائص تعبيريّة وجماليّة عبارتها بسيطة ودلالتها كثيفة وسلطتها على المتلقّي طاغية .هذا ما جعل العنوان يحرّك وجع الكتابة الذّي يتحوّل إلى وجع قراءة عبر صيرورة يتساوى فيها النّص مع النّاص. إنّه – من هذا المنطلق – علامة يسمح تأويلها بتقديم عدد من الإشارات والتّنبؤات حول المتن ووظيفته المرجعيّة، ومعانيه المصاحبة وصفاته الرّمزيّة ، إنّه عنصر متعدّد ذو حمولة دلاليّة تبدأ منه التّأويل.فتنشأ في ذهن المتلقّي لهذا العمل الإبداعيّ إيحاءات العنوان وأبعاده الفكريّة المؤسّسة ” انفعاليّا و أسلوبيّا وإيديولوجيّا، بحيث لا يبدأ المتلقّي قراءة العمل من نقطة الصّفر، وإنّما يبدأ من لحظة من لحظات المعرفة أو الإيحاء بتلك العلاقة المتنافرة بين “الوحش”من جهة، وحوريّة من جهة أخرى، الوحش باعتباره كناية موصوف تتعدّد معانيه الحواف، والحوريّة بكلّ أبعاد حضورها الجماليّة في ظهور شكل مجسدنٍ يتكئ على الرّمز الصّوريّ.فـــ”حوريّة” أنثى ذات جمال وخصب تصارع وحشا له مخالب بها ينهش جسد حوريّة، وحش كاسر تقابله أيقونة تحتلّ كلّ الغلاف ، نظرتها حادّة متحدّية، ساخرة عابثة بالرّيح والأنواء، تسيّج نفسها بوهج أسطوريّ تتحرّر به و معه من دائرة التّهميش إلى المركزيّة التّي تجعل منها أيقونة رامزة متجاوزة مختلف الهموم والأوجاع المتسربلة في مشهد الغلاف من خلال ثنائيّة الوحش القاهر وحوريّة المتحوّلة من مقهورة إلى قاهرة مُغرية تزداد مع الإصرار رونقا وجمالا وهو ما يسم السّرد الحكائيّ بالغواية. إنّه مشهد بصريّ يرسم صورة سيكولوجيّة مفصّلة عن عوالم خفيّة منسيّة ذات صلة بالذّات الأنثويّة، ذات تتسامى عن ذاتها وانكسارها، محتفية بملحمة انتصارها على وحش غير بادٍ على الغلاف رغم حضور مؤشّر دالٍّ عليه. إنّها لوحة انتمت إلى عدّة مدارس تشكيليّة، لوحة حضرت فيها الألوان(الأصفر الشّافي من الكلوم/الأزرق الاكتفاء والامتلاء) والأضواء(النّور / الأمل) والخطوط(خطّ عموديّ منتصب لا انحناء فيه) حضورا قوامه تسليط
الأضواء على مُهيمنات احتوت تجربة تشكّل جزءا من قدرنا وتخبرنا عن حالات ذهنيّة وشعوريّة هامّة فينا تراوح بين التّخفي،والتّجلّي وفق لعبة أنثويّة لها قواعدها، تجعل من العنوان علامة سيميائيّة، تعلو المتن الحكائيّ وتمنحه الغواية. فالتّعالق بين المتن وعنوانه، يعطينا الحقّ أن نسمّيَ “حوريّة” عنوان “الدّلالة المولّدة” لشعريّة اللّغة من جهة، ولتداخل الأصوات السّرديّة من جهة أخرى.
2/ لِعبيّة الشّخصيات في تأرجحها يبن الأنا/الآخر:
إنّ الكتابة الرّوائيّة تآلف بين مستويات سرديّة عديدة تؤمّنها خطابات وشخصيّات تظلّ في تلافيف المسار السّرديّ متفاعلة متماهية مع الشّخصيّة المحوريّة وهو ما يجعل المشتركات بين الشّخصيات تتوحّد وتصبّ فيها الدّلالات في بوتقة واحدة تنصهر في شخصيّة مبنية من نسيج نفسيّ وفكريّ ، ويرسم كلّ نسيج هيئة من هيئاتها المتشابهة مع أشكال الحياة السّلوكيّة والفكريّة خاصّة في العلّة والمرض.
وقد شكّلت شخصيّة”حوريّة عبد الله” النّبع الذّي تتدفّق فيه الحياة، هي اسم على مسمّى،لها “مسحة من الجمال مميّزة..صوتها ملائكيّ”(ص 12) جمال أبى الوحش إلاّ أن يسلبها نظارتها، والوحش هو ذاك المرض الخبيث” مرض السّرطان”.
وإذا اعتبرنا أنّ الشّخصية هي علاقات لغوية، فإنها تحمل في طيّاتها بعض ملامح الشّخص المبدع أو غيره فكريّا، وليست الشّخص ذاته، وحقيقة الانسان تكمن في المتحرّك، والشّخصية مثل الرّواية تترجم عن ماهية الإنسان لأنّها “نامية ومتطوّرة، تنزع نحو ما يمكن أن يكون”. وهذه السّيرورة والصّيرورة بدأت حين أحسّت البطلة في الحمّام الشّعبيّ”بكتلة غير مألوفة نصبت خيمتها عند ثديها”(ص29)، وانتهت حين أصابت الوحش في مقتل وانتصرت عليه في مشهد رومانسيّ طلبت فيه”حوريّة” من “زوجها شبه العائد من غيبة طويلة وقالت:ضمّني إليك يا عمري كي تتناسل أوراقي وتتوالد ثمارها وتضجّ بك …ولك كلّ حين”(ص167)،إنّها تلك الإرادة الغالبة لا المغلوبة،ذاك الإصرار القاهر لا المقهور،رحلة نحت كيان مختلف ينبعث من رحم الفناء طائرا يغرّد للحياة، لانتصار الأمل على الألم…فرواية” حوريّة والوحش” أرّخت فنيّا تجربة أنثى بصيغة الجمع لا المفرد بلغة ترشح وجعا مازج بين الجسديّ حين اُستؤصل ثديها ، فسكنها”الوجع ..الوجع وحش شيّد عرينه بين العظام والشّرايين….فتاهت فيها الذّات بين البدايات والنّهايات”(ص100)، وبين النّفسيّ، وهو ما يبدو في هذا الرّثاء الموجع” سلّمني نهديّ المقطوعيْن كي أقيم لهما جنازة تليق بوفائهما لي طويلا فبيني وبينهما عشرة، فقد زيّنا صدري، وغذّيا أبنائي، وكانت لي فيهما مآرب أخرى…سأدفنهما بجوار أمّي فبينهما وبينها نسب وودّ..لا أريد لهما أن يدفنا غريبيْن في مقبرة النّهود الغريبة”(ص119). هذا الوجع عكسته انشطارات مرآويّة
عكست هموم”حوريّة” التّي فاضت وتنوّعت مشاربها ، حين انعكس الآخر فيها وانعكست هي في بقيّة الذّوات.
إنّه ضرب من الانعكاس للعلاقة الجدليّة بين الفرد والمجتمع، وبين الذّات والهُويّات المختلفة ، ما يعكس رؤية الكاتبة للحياة والوجود، فالأنا ليست مجرّد شخصيّة في النّص، بل هي وسيلة للتّعبير عن القيم، والطّموحات، والصّراعات الدّاخلية التّي يمكن تنزيلها ضمن تيار الوعي والسّرد المونولوجيّ.فتظهر العلاقة بين الأنا والآخر جدلية معقّدة تحمل في طيّاتها جوانب الصّراع حينا والتّعاطف والشّعور بآلام الآخر حينا آخر”تملّك حوريّة يومها إحساس بالرّعب، وهي ترى أكياسا من الحفاظات مرصوفة بجانب هندة، كتمت صرخة كادت تفضحها…بكت على حالها وعلى هندة وعلى كلّ شقيقاتها في مواجهة هذا الوحش ذي الرّؤوس المتناسلة بعضها من بعض فكلّما قطعتَ رأسا نبتت أخرى مكانها”(ص67) ، ودفع الأنا للتّحدي والمواجهة حينا ثالثا” كان القرار هو الورقة الأخيرة بين يديها فلتغامر..فما عساها ستخسر هكذا كانت تغلي في صمت…صمتت من هول الصّعقة ثمّ حشرجت:كيف لي أن… هل يعقل هذا؟ثمّ قطعت سيل التّساؤلات بابتسامة فيها من المرارة ما يروي الصّحراء دموعا(ص119).إنّه ذاك التّحدي المشوب بالمرارة، إنّه ذاك التّصدع وذاك الانقسام، عالقة هي بين متناقضات تكابد معركة داخليّة تعكس الصّراع الأزليّ بين البقاء والفناء في النّفس البشريّة على مرّ الأزمان، صراع تذكّيه الرّغبة في الفهم والاعتراف والبوح نُشدانا للسّكينة وبحثا عن سند يشحذ الذّات العليلة بالقوّة والأمل والتّحليق والنّسيان أو التّناسي ولو للحظات”قرّرت خيرزاد وريحانة أن تخرجا حوريّة من عزلتها الاختياريّة..تبدّد الخوف حالما عانقتهما مرحّبة بالاقتراح الذّي نزل عليها بردا وسلاما..كم كانت في حاجة إلى مدى تطلق فيه أجنحة روحها الأسيرة فتتخلّص منروائح الأدوية وتخلع عباءة المرض” (ص88)، إنّه تعاطف انسانيّ في أسمى تجليّاته مدّت جسوره الكاتبة”فاطمة محمود سعد الله” ما جعل نصّها الرّوائي مساحة غنيّة للتّأمل والتقاء فيض من المشاعر نحو الانعتاق والاستغراق في عالم المثل والفضائل.وهو ما يهب نصّها الإبداعيّ اختلافا وفرادة. إنّ حضور الأنا والآخر في تلافيف النّص الرّوائي يُعدّ أداة فنيّة وفكريّة تعكس عمق التّجربة الإنسانيّة وتعقيدها ، نحو التّبشير بمفاهيم تتجاوز الفردانيّة والأنانيّة..
فتجربة الجسد المريض هي خوض صراع وجوديّ بين القدر المحتوم من جهة، والإحساس بالإهانة الأخلاقيّة والشّفقة من جهة أخرى،ولكنّ هذا الإحساس أكسب السّاردة قوّة على التّجاوز ،فالمرض هو بداية لارتقاء حياة الإنسان فكلّما اشتدّ المرض، كان الإنسان أكثر سموًّا “، فاستعارة المرض في الرّواية النّسائيّة لم تقتصر على البطلة فحسب، بل تتجلّى أيضًا في المحيطين بها. وبالرغم من أنّهم لا يعانون من المرض الجسديّ مثل «حوريّة»، إلاّ أنّ عالمهم النّفسي تأذّى وتألّم.. إنّ علّتهم الجماعيّة تتجاوز الطّبيعة البيولوجيّة البحتة للمرض، لتمتدّ إلى “مجاز سياسيّ ونقد اجتماعيّ وتقييم أخلاقيّ متعدّد الأبعاد”، فموقف المجتمع تجاه السّرطان والمرضى مشوّه، ترصد الكاتبة كلّ تفاصيله”كانت تحسّ بالغربة ماردا ينمو بداخلها وكان الضّجيج يحاصرها من كلّ ركن، ولا أحد وجدت فيه ملامح تريحها أو تسكّن روعها…حوريّة فضّلت أن تعيش ألمها وحدها ولم تترك مجالا للشّفقة أو الشّماتة”(ص-ص111-113).وقد يسهم موقف الآخر من المرض في اغتراب الذّات ويجعلها تتساءل عن معنى وجودها الذّي أخذ يتلاشى تدريجيًّا، ويغرقها في بؤس العدميّة.فقد تحوّلت “حوريّة”من أنثى مفعمة بالجمال والحياة إلى أخرى لا تعرفها، فتطلق صرختها” أنا ..لستُ أنا..كنتُ حوريّة ..أو حوريّة البحركما وسمتني صديقاتي بهذا الاسم..لكنّني اليوم أتحسّسني ولا أعثر إلاّ على هيكل وهمي لا أعرفه ولا يعرفني..مرآتي ومخدّتي تشهدان على ذلك..أبحث عنّي في كلّ ركن منّي..من البيت وفي عيون الجميع فلا أجدني…لاأجد ظلّي..لا أجد سوى خصلات شعري تنسل على مخدّتي كلّ صباح”(ص96)، إنّها رحلة مأساويّة ترنو إلى تحقيق الخلاص.
إنّ حضور ثيمة المرض في الرّواية التّونسيّة اطارا مركزيّا للتّعبير عن أبعاد التّجربة الإنسانيّة المتعدّدة، بما في ذلك النفسيّة والاجتماعيّة والثّقافيّة. ويتجاوز الألم في هذا السّياق كونه شعورا فرديّا مجرّدا يتيح استكشاف طبيعة الإنسان في مواجهة الحياة بحثا عن المعنى، ليصبح أداة إبداعيّة تكشف الصّراعات الدّاخليّة للشّخصيّات وهشاشة وجودها، والتّحديات الوجوديّة التّي تواجهها بشكل يمكّن الرّوائيّة من تقديم رؤية عميقة للوجود الإنسانيّ. فيتحوّل الألم في الرّواية إلى عنصر إبداعيّ يثري النصّ الأدبيّ من خلال استثمار المعاناة الفرديّة والجماعيّة في بناء نصوص ذات أبعاد فنيّة وفكريّة عميقة اعتمادا على الصّور الرمزيّة، والنّسيج السّرديّ والتّلوين اللّغويّ والبلاغيّ في سياق جماليّ يستجيب لمقتضيات الفنّ الرّوائي ليتشكّل الألم تجربة إبداعيّة متكاملة. فيصبح محفّزا للخيال الأدبيّ باعتباره مصدرا لكتابة روايات ذات “زخم رمزيّ ودلاليّ عبر التّآلف بين بعديْن: الفرديّ والفلسفيّ للألم قصد طرح تساؤلات حول الوجود والعلاقات والقيم”، وهو ما يعكس قدرة الأدب على خلق حوار فعّال بين الواقع والخيال من خلال تمثيل الرّواية لمفهوم الألم باعتباره استراتيجيّة سرديّة مثّلت مرآة للتأمّل والوعي من جهة، وأكّدت من جهة أخرى، قدرة الرّواية على تحويل الألم الفرديّ إلى استكشاف للوجود الإنسانيّ وتحويل المعاناة الفرديّة إلى تجربة فنيّة جماليّة لها خصوصيّاتها.
3/التّموّج المرآويّ بين الانكسار/ والانتصار
تلعب الثّنائيات دورا هامّا في تشكيل الثّيمة الرّوائية، بوصفها أداةً فنيّة ذات بال في بناء العمل الأدبيّ عامّة والرّواية خاصّةً، ولمَا لها من حضور بائن في منهجيّة البنيويّة التّكوينيّة وتجليّاتها عبر تقاطعات مع البنية الدّاخليّة للنّص من جهة وما تجسّده من بنية ثقافيّة واجتماعيّة من جهة أخرى.
وقَد اعتبرت الثّنائِيّات الضِدِّيّة وَلِيدة فِكْرٍ مَعْرِفِيٍّ يتحرّك وَيَنْسُج مَسَار حَرَكَتِه، ويتشكَّل تارِيخِيًّا، وثَمّة ثُنائِيّات كَثِيرة لهَا أشدُّ الحُضُورِ فِي حَياتِنا، فلا وُجود لِشَيءٍ دونِ نَقِيضِهِ، أمّا اللّغةُ فَهِيَ أداة تحقِيقِ معانِي الحياةِ. كما يعمل التّوظيف المكثّف للثّنائِيّات الضِدّية في الرّواية على إضفاء صبْغة جمالِيّة من خلال ما تُحقّقُهُ تلك الثّنائِيّات من دينامِيّةٍ تجعلُها مُنْفتِحة على تعدُّدِ القراءات، فـ ” وَفْرَة الثّنائِيّات الضِدِّيّة فِي النّصِ الأدبِيِّ دلِيلُ انْسِجامِ إيقَاعَاتِهِ، واِنْفِتاحِهِ على أكْثر من مِحور، فَيُمكِنُ أنْ نَعْثُرَ على مجموعة أنساقٍ متضادّةٍ في النّصِ الأدبِيِّ الواحِدِ تُضْفِي عَلَيْهِ مزِيدًا منَ الحيوِيّة والحركة، هذهِ الأنساقُ المتضادّة ذاتُ صِلةٍ بالكوْنِ الّذي تصوّره، سواءٌ أكانَ ذلك بالتّضادّ أمْ بِالتّكامُلِ، لِذا تجتمِعُ فِيها الخصائِصُ الجمالِيّة”.وتنشأ الثّنائِيّات الضِدِّيّة من شُعورَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ يُوقِظانِ الإحْسَاسَ، وَوَاحِدٌ من هَذَيْنِ الشّعورَيْنِ فقَطْ هو الّذي يَسْتثمِرُ نظامَ الإدراكِ فِي الوَعْيِ، والثّانِي يَظلُّ فِي اللاّ وَعْي تعبّر عنه بِنية لُغوِيّة مُتقاطِعة اللّفظِ والمَعْنى، مُتبايِنة، ظاهرة في النّسقِ، تظْهر فِي تَباينِهَا إبْداعًا وَجمَالاً شِعْرِيّيْنِ، وهذا النّسِيج اللُغوِيّ يُعدُّ ترجمة لِنَفْسِيّةِ الأدِيبِ ومَكْنونَاتِه الدّاخِلِيّة. والثّنائِيّةُ مُصطلحٌ يقومُ على الرّبطِ بين الظّواهرِ المُنفصِلةِ والتّعالُقِ بيْنَهَا، نَشَأت من شُعورَيْنِ مُختَلِفَيْنِ عَاشَهُمَا الأديب فِي بِيئة فَرَضَتْ مُعطَيَاتِها نَمطا مَعِيشِيّا أيْقَظَ عنْدَهُ إحْسَاسَيْنِ مُتضَادَيْنِ هُمَا: الشّعورُ بالذّاتِ والشّعور باِسْتِلابِهَا، عكَسَهُما الأديبُ فِي “صُوَر ظاهِرةٍ ومُسْتَتِرةٍ” فالبِيئة تؤثّر في الكاتب وتفرض نمطًا معِيشِيًّا يدفَعُه إلى الإحساسِ بالشّيءِ ونقِيضِهِ في الآنِ نفْسِهِ. ولابدّ في هذا المضمار من وجودِ علاقة تُقَرِّبُ بين الأشياءِ المُتباعدةِ الّتي تبدو شديدةِ الانفِصال لِمَا بيْنها من تضادّ وتنافُرٍ، وهذا يُؤَكِّدُ تعالُق الأطرافِ المُنْفَصِلةِ، إذْ لا بُدّ مِنْ وُجودِ منطِقةٍ وُسْطَى تَرْبِطُ بيْنَ المَعْنى وَضِدِّهِ، وتوَارِي أحدِهِمَا خَلْفَ الآخَرِ باِنْتِظارِ إعْلانِ ذاتِهِ. ولا يكون ذلك كذلك إلاّ إذا اعتبرنا أنّ الثّنائِيّات هي الهَيْكل الّذي تُشيَّد على أساسِهِ الأعمال الأدبيّة، باعتِبارِها أنْساقًا لُغوِيّةً فاعِلَةً تَعْكِسُ بِصِدقٍ رُؤى الأديبِ وتَصوُّراتِهِ لعناصِرِ الوجود، لذلك “تُشَكِّل الثّنائِيّات الضِدِّيّة رُكْنا أسَاسًا من أركان الخطاب الرِّوائيِّ، وبنية لُغوِيّة فاعِلة فِي خَلْقِ تصوّراتٍ مُعَيّنةٍ تُجاهَ مُكوّناتِ الوُجُود”(من منظور البنيويّين). وتسهم كذلك في إنتاجِ دلالاتٍ مُبْتكَرَةٍ وإضْفاءِ صَبْغةِ الجَدَلِ على النّص.
وقد يتجاوز دور الثّنائِيّات الضِدّيّةِ المتن الرّوائيّ ليطال عملِيّة التّلقِي، مِمّا يجعلُ المُتلقّي يستقْبِلُ رسالةَ النّص بوضوحٍ، ويَعِي المَقصودَ عبر تحقِيقِ التّناغُمِ والانْسِجامِ بيْنَ ظواهرِ الوجودِ المنفَصِلةِ. وهو ما لمسناه جليّا في رواية”حوريّة والوحش”من خلال حضور:
أ – ثُنـائِيّة الـموت والحياة
زاحَمَ الموت الحيَاة من خلال تجربة المرض التّي مرّت بها البطلة (السّرطان)، ذاك الوحش الذّي استوطن فيها.فقد عبّرت”حوريّة” عنْ قلقِهِا إزاءَ الموتِ الذّي يُصَادر حقَّها في البقاءِ، وحوّل حياتها إلى عَبَثٍ أفْقدها إحْساسَها الفِطرِيَّ بِكيْنونَتِهِا. هذا ما دفَعَ بطلَة الرّواية إلى سبر أغوار عالمها الباطنيّ سبرا عميقا يضاهي عمق مأساتها”الموت يسكن كلّ خلاياها ويتربّص بها،فتنخرط في بكاء هستيريّ وتشرع في تأبين نفسها شعرا يختزل معاناة أيّام”(ص97).وقد حضر الموت تصريحا بقوّة في تلافيف السّرد لفظا حقّق حضوره شعريّة بكائيّة مغرقة في المأساويّة “الموت”(69)”ماتت هندة”(ص66)” كانت شبه وحيدة في مواجهة الموت”(ص69) “رائحة الموت”(ص70) “الموت يسكن خلاياها”(ص97) “يأتي الموت”(ص106)”رائحة الموت”(ص111)”، أو تلميحا من خلال قرائن ذات علاقة دلاليّا بالموت” المأتم”(ص62)” الحجّ إلى القبور”قبر والدتها” (ص110) “عتبة المقبرة”(ص112)”قبر غريب”(ص121)…
فهذا الصّراع بين صوتيْ الموت والحياة في منطقة الشّعور، صراع ملأ “حوريّة” هلعا، فالموت شبح يطاردها في الصّحو والمنام،. فالوحش يتربّص بها لكنّ إرادة الحياة كانت هي الأقوى، ملحمة رسمتها البطلة بكلّ إصرار وعزيمة”هي كفرس عنيدة ترفض التّرويض”(ص49)”أنا سليلة الصّمود والتّحديّ(ص72)”تستحمّ في موجة الثّائر”(ص77)”سيكون للصّمود قدرة على المواجهة”(ص81)”وأقسمت هي وخيرزاد على صرع الوحش ورفع راية الحياة”(ص87) نقم للحياة مهرجانها”(ص167).
لقد كسرت الكاتبة”فاطمة محمود سعد الله” المألوفَ، مُسْتغِلّة إمكانات اللّغة في القَفْز فوق حاجِزِ الواقِعِ، واسْتطاعَت أنْ تدْمِج هَذَيْنِ العُنْصُرَيْنِ دَمْجا صَيَّرَهُما شَيْئًا واحِدًا مُبْتكَرًا، هو ( إنسان حيٌّ مَيّتٌ )، جاعِلة مِنَ الشّيئَيْنِ شَيْئًا واحِدًا، هذا ما أفْضَى إلى تَشَكُّلِ “فجوةٍ توتّرٍ حادّة” تنبعُ من ذاك التّوحُّدِ بيْنَ طرَفَيْ ثنائِيّة ضِدِّيّة ، حَيْثُ أنّ هذا الإقْحام الحاصِل بينَ مُكَوِّنَيْنِ ( الحياة / الموت ) يمتلكانِ في الوجودِ خاصِيّةَ اللاّتجانُسِ، ودَمْجِهِما في نسَقٍ لُغوِيِّ مُتجانِسٍ، في مَقْدورِهِ أنْ يُحَقِّق الشّعرِيّة، بالنّظرِ إلى الفَجوَةِ الحادّةِ النّاجمةِ عنْ اختِيارِ مُكوّنات غير متوقَعَّة من المحورِ المنسِقِيّ، وضَمِّها في سياقٍ مُتَجانِسٍ على المِحورِ التّراصُفِيّ. ذلك أنّ الشّعرِيّةَ عند”كمال أبو ديب” ليستْ سوى ” إحدى وظائِف الفجوة، بلْ الوظِيفة الوحِيدةُ لهَا،وَتَشَكُّل الفجوةِ مَرْهون بِمَقدرةِ الأديبِ على الإقحامِ، أيْ إيْجادُ روابِطَ علائِقِيّةٍ بين مُكَوّناتِ الوُجودِ غيرِ المُنْسَجِمةِ، بِسبَبِ ما بيْنها من تنافُرٍ وتَضادٍّ
وزيادةً على الشّعرِيّةِ الّتي حقّقَها هذا الإقحام، فإنّ الرّوائِيَّة حِينَ وَحَّدَت بيْنَ طرَفَيْ الثّنائِيّةِ، جاعلة من “حوريّة” حيًّة ميّتة في الآن نفسِهِ، تكونُ قَدْ اِبْتَدَعَت دَلالة مُبْتكرة عكسَتْ بِصِدْق الحَالَةَ النّفْسِيّة للشّخصِيّة الّتِي خَصَّتهَا بالوَصْف، كما قدّمَت للقارئِ صُورةً واضِحةَ المعالِمِ عن البيئةِ السّلبِيّة الّتي تتخبّطُ فيها الشّخصِيّات، والّتي حتّمتْ عليهِا التّواصُلَ مع المتلقّي عبرَ الثّنائيّات الضدِّيّة، لأنّها وجدَت فِيها الوَسِيلَةَ الأسلُوبِيّة الأنْجَعَ لتصْوِيرِ ما تعانيه مريضة السّرطان في واقِعِهِا. ولا تقفُ الرّوائِيُّة عند حُدودِ الجمعِ بيْن طرفَيْ ثُنائِيّة الحياة والموت، وإنّما تسْعى إلى أنْ تحْدِثَ شَرْخًا بين الدّالِ ومَدْلُولِهِ، غرضُها من وراءِ ذلك إثارةُ الجدلِ وحَملِ المُتلقِّين على إعادة بناء الواقع بناءً يؤسّس لِرُؤيا عمِيقة لِلعالم، مُغايِرة لِلرُؤيا المتضمّنة في التّعبير.
ب/ثنائيّة الألم والأمل
إنّ حضور ثيمة الألم في الرّواية النّسائيّة سبيل إلى المتعة لدى المتلقّي، وذلك حين يستشرف من خلال النّص أملا يحمي شعلة الحياة من الخمود. فمتعة السّعادة لا تتحقّق إلاّ من خلال مساحات من الألم والمعاناة، والسّرد الرّوائي الذّي يشكّل الألم مركزيّته، لا يخلو من كوّة ضوء (فرح) وسط عتمة الحزن والألم المسيطر على العالم الرّوائي، هذا الضّوء الخافت هو ما يجعل المتلقّي يؤسّس أفق توقّعه، ويستشرف فسحة أمل تبعث انفراجا في نفسه وضياءً يقنعه بأنّ الشّخصية السّردية متحدّية بنات الدّهر فهي كطائر الفينيق تنبعث من ركام الرّماد وتظلّ صامدة “رغم الدّاء والأعداء”، تولد مع كلّ فجر من رحم المعاناة، إنّها “كتابة الألم”، التّي تجعل الألم أساس الأنا، فالتّألم شارة من شارات الوجود. فهو يتولّد عن صيرورة العالم وتحوّلاته التّي تؤثّر تأثيرا بالغا في الوجود الإنسانيّ وسيرورته، ويؤثّر أيضا في السّعي النّبيل للإنسان، نحو حقّه من الحريّة والكرامة والحفاظ على أمنه وضميره وحياته الشّخصية، وكما يقول “فريدريك نيتشه”: «إنّ الألم قوام الحياة، ولا يعرف الحياة من لا يعرف الألم» وعلى أساس ذلك يعدّ الألم موضوعا أساسيّا في رواية «حوريّة والوحش» هذه الرّواية التّي أضفت كاتبتها على عنوانها سمة الحزن من خلال كلمة «الوحش» الدّال على الوحشيّة/ الألم/الغموض/العبثيّة.
وتقوم الرّوائية “فاطمة محمود سعد الله” بتسريد شعور الألم واعتماده موضُوعا للكِتَابَة في شكل أدبيّ وفنيّ، يعكس ما هو ذاتيّ ونفسيّ ويجعل منه موضُوعا فنّيا وجماليّا. ومن خلال الشّخصية المحورية “حوريّة” التّي تتجسّد معاناة ألمها، بفعل مرورها بتجربة مرضيّة هي إصابتها بالسّرطان ، ألم تحتفظ به ذاكرتها من وجع عميق سكنها وحوّل نضارتها إلى ذبول وجمالها إلى قبح “أقف أمامك أيّتها المرآة فتصفعينني برسم كاريكاتوريّ لا يشبهني، رأسي تحوّل إلى جمجمة جرداء خالية من كلّ نبات، أنا..لست أنا…”(ص96)، ويتواتر حضور الألم عبر تكرار لفظة” الوجع” “كظمت الوجع والرّعب”(ص72)، “رزحت تحت نيّر الوجع “(ص73)،”غرس فيها الوجع أنياب المرارة”( ص76)، “يلاحقها الوجع ..الوجع”)،”ظهر الوجع” (ص100 ،” تهرب من نسور الوجع” (ص 101)، ” صراعها مع الوجع” “زمن الوجع” ( ص103)، ” اقتاتت من الوجع” ( ص111) ،” صوان الوجع” ( ص116)، “سعير الوجع” (ص123)،في مواقع من السّرد الذّي اصطبغ بمسحة قاتمة فاض فيها السّواد، ما أسقط “حوريّة” في العدميّة واليأس والغربة” كانت تحسّ بالغربة ماردا ينمو بداخلها” ( ص111 )، ” وحش الغربة ينهشها” ( ص112) لم يعد للأشياء معنى، ما أفقد البطلة القوّة والقدرة على التّحمّل، فقد وجدت نفسها في وضعيّة المغلوب على أمره. فالصّراع بين “حوريّة” و”الوحش” صراع غير متكافىء، قوّة مضادّة قاسية هدّت كيانها ودكّته دكّا.وهو ما وسم السّرد بضرب من الشّعريّة الموجعة، والأحداث بمسار دراميّ.
وتنبثق في لحظة من لحظات السّرد المعتّمة الغارقة في لُجج الألم بارقة من الأمل.هو تحوّل كان عن طريق الحلم حينا ، والكتابة حينا آخر” حمدت الله أنّها تملك قلما يساعدها على البوح والتّعبير والتّخفيف عمّا بها” (ص67)، والشّعر حينا ثالثا”ستواصل بحور الشّعر النّقر على إيقاع الفرح والغناء”( ص95)، هي أشكال من التّجاوز قرّرت ” حوريّة ” معها وبها أن تجد نفسها التّي تبحث عنها، وتنتصر على “الوحش”، وأن” تتذوّق رحيق الأمل من خلال الألم الذّي يترع كأسها” (ص 71). إنّها لحظة انبجاس، لحظة إشراق، نور قوّى ايمانها بنفسها بعد شعور مضنٍ بالفراغ ، ومن تجليّات الأمل في الرّواية ذاك المشهد الذّي ختمت بها الرّوائية روايتها، لحظة انجلاء الغمامة، في لحظة مفعمة بالرّومانسيّة والعشق باعتباره قنديلا في جوف العتمة يختار اللّحظة التّي يفيض فيها على الذّات بنوره، نبراسا يهدي به التّائهين، في غنائيّة لهجت بها “حوريّة”وكأنّها تراتيل متصوّف يرتّل قدّاسه الأخير”اقترب ..اقترب وأصغ…تعاليْ وانغبي من نسغي نخب الحياة وهات لي من دِنان شِعركِ روحا…أنتِ خلودي وأنا روْح بقائك وروْح الحرف على شفتيْك…تعاليْ نقمْ للحياة مهرجانها”(ص 167).فهما معا كريحانة وأبي هريرة هي تقول له:” تعال” وهو يقول لها: “لبيْك..لبيْك أنا آتٍ إليْك”، نداءٌ يلبّي نداءً، نداءٌ للفجر، نداء للنّشوة، نداء لرحيق الحياة…ثمّ كان العروج إلى ملكوت غير هذا الملكوت…..
لقد أسهم الألم بكلّ تجليّاته ودلالاته وأبعاده النّفسية بصورة عميقة في إنتاج نصّ رواية «حوريّة والوحش» .وقد تبنّت من خلاله “فاطمة محمود سعد الله” رؤيتها للعالم وتحوّلاته الاجتماعيّة والقيميّة ، في ظلّ ثنائيّات ضدّية كــ: الألم والأمل، والفرح والحزن، الخوف والاطمئنان، الماضي والحاضر، العتمة والنّور، القبح والجمال، الشّك واليقين، الصّمت والكلام، الموت والحياة… إنّها ثنائيّات شكّلت عوالم الرّواية وبنَت متخيّلها السّردي وأبانت عن فاعليّتها في جسد المتن الحكائيّ، وهو ما كشف عن ذاك الصّراع الدّاخلي والخارجيّ في لغة تنزّ شعريّة ماتعة، قوامها الاستعارة والمجاز والرّمز. وهو ما أحدث إشباعا ذوقيّا لدى الملتقّي ،ومنحه مجالا رحبا لبناء تصوّراته وإيحاءاته .
التّلوين اللّغوي وهج قناديل من الشّعري إلى الانسانيّ:
لم يعد السّرد في عالم الرّواية الحديثة، محصورا في نقل الحكاية فحسب، بل غدا أفقا مفتوحا للتّجريب اللّغوي وتوسيع إمكانيّات التّعبير الفنّي. فاللّغة الرّوائية باتت النّسيج الذّي يحمل نبض النّص وروحه، والجسر الذّي يعبُر منه القارئ إلى عوالم السّرد المتخّيلة. إنّه نسيج يتزيّ بحُلل الشّعر، ويتوشّح بصوره وإيقاعاته.
وتتجلّى أهميّة اللّغة في النّص الأدبيّ عموما والرّواية خصوصا باعتبارها ركيزة أساسيّة للتّعبير عمّا يجول في ذهن الكاتب (سردا وشعرا)، وطالما أنّنا نواجه نصوصا أدبيّة حديثة ذات خصوصيّات تتراوح عند تجنيسها بين السّردي والّشعري، وتختلف في تجنيسها مع تداخل الأجناس واستقاء كلّ جنس سرديّ من رديفه، وذلك بالاستفادة “لغة ونظاما في بنيتها من بعضها مع الاحتفاظ بالانزياح والتّكثيف اللّغوي، والصّورة المتخيّلة، والإيحاءات الرّامزة، والدّلالات المتعدّدة”. ومع تطوّر بنية الرّواية الحديثة، واشتغالها على خلق ضرب من الدّهشة والشّعور بالجميل المغاير في المتلقّي، وذلك بالابتعاد عن الإخباريّ والسّرد الّذي يغوص في التّفاصيل، والانحياز للدّيناميّ الجماليّ.وتلعب جميع الأجناس الإبداعيّة دورا ما في سرد الرّواية لإنشاء لغة شعريّة تُحيل إلى معنى المعنى تحكمه أنساق لها دلالات تتجاوز المباشر عبر الكناية والاستعارة والتّمثيل إلى مستوى يحدث “الأثر الجماليّ في المتلقّي وإحالته إلى تكثيف المشهد المتكامل للنّص في بنيته الدّاخلية والخارجيّة وتعميق الإحساس.ويعتبر التّلوين اللّغوي عنصرا أصيلا في تميّز الرّواية، ونقطة قوّة يمكن أن تفتح آفاقا دلاليّة أمام تأويلات تُغني المسار الحكائيّ. فتسمه “بالتّوتر الإيقاعيّ، والنّعوت، والنّغمة الموسيقية ، والتّكرار، والتّدفق في أفكار في مشاعر البطل، وجمال التّصوير للأشخاص والأصوات والمواقف، وخصوصيّة النّبرة في الخطابات والمعجم وطبيعته، وتراكيب الجملة وتراكيب المقاطع، وحضور الأنا الغنائيّ …
1/ وهج الشّعريّ:
لمّا كانت اللّغة هي المحدّدة لشعريّة الرّواية، فإنّ الباحث في شعرية النّص السّردي يوجّه اهتمامه أساسا نحو اللّغة،إنّها لغة ذات وظيفة إخباريّة تنزع إلى تحديد الأشياء، وتسمية الموجودات بأسمائها، باعتبار أنّ غايتها قصّ الأحداث والإخبار عنها والتّبليغ، لذلك تتّسم لغة السّرد الرّوائي بالوضوح والتّصريح والتّقرير، في صور بلاغيّة وأساليب مجازيّة لتأتي اللّغه لغة الجمال والتّأثير ، ورواية “فاطمة محمود سعد الله” “حوريّة والوحش” لا تخلو من بعض الصّور البلاغيّة والصّياغات المجازيّة .فتأتي عفويّة دون تكلّف. وهو ما نلمسه جليّا في عدّة مستويات:
1/المعجم:
لقد تواترت عدّة معاجم تآلفت وتمازجت لترسم مأساة “حوريّة الوجوديّة وهي تصارع “الوحش” بمفردها، إنّه صراع ملحميّ ضدّ قوّة مفارقة(مرض السّرطان).وقد طغى معجم المرض وفاض حتّى أنّه وسم المسارات السّرديّة بالقتامة والسّواد بداية من الفصل السّادس”في قاعة الانتظار” إلى الفصل الثّالث والعشرين”” اليد الواحدة قد تصفّق”، مسيرة مكابدة ومقاومة قامت على العزيمة والإصرار والتّحدّي لمرض”وحش” مخالبه لا ترحم الضّعف الانسانيّ.وهو ما ورد على لسان السّاردة وهي تتحدّث عن “هندة””معاناتها مضاعفة: المرض وضيق الحال طلقتان في صدر أعزل”(ص 66)، “هندة لا عائل لها لكنّها فريسة لوحش ينهش كيانها ويستنزف قوّتها” (ص 68) أو في حديثها عن”ناجية” ” نجت ناجية جنينا ولكنّها لم تنج من المرض شابّة”(ص63)، .وتعالقت مع معجم المرض معاجم أخرى كمعجم الوجع الذّي تواتر فوسم المتن الحكائي بالبكائيّة”الوجع” (ص 72)، “الوجع “، (ص73)، “الوجع” (ص 76 )،” الوجع” (ص104)، بكائيّة بلغت منهاها حين اقترنت بمعجم الموت في إيقاع جنائزيّ “ماتت هندة” “كانت شبه وحيدة في مواجهة الموت”(ص 69)،”قبر” “قبور”(ص 110)،”رائحة الموت” (ص 111)،”قبر غريب” (ص 121) .وقد اقترن معجم الموت بالبكاء والصّمت والنّحيب، لحن جنائزيّ لأنثى تكابد وحشا، ولكنّها في نهاية المطاف هزمته هزيمة نكراء”أنا هزمت ذاك الوحش الذّي سطا على سكينتي وسلبني أحد كنوزي، لكنّه رغم ذلك تقهقر مذموما مدحورا” (ص 141).إنّها الملحمة المنبثقة من رحم المأساة.
2/ التّفكك التّركيبي:
هي ظاهرة تكسب السّرد درجة من درجات الشّعرية والمتأمّل في مقاطع الرّواية يلاحظ أنّ الكاتبة سلكت مسلكيْن: الأوّل اتّبعت فيه منطق السّرد المتسلسل لبعض الأحداث التّي بنت لها ترتيبا وفق رؤية نفسيّة، والثّاني نحت فيه سبيل التّقطع بين الجمل وخاصّة في الخطاب الشّعري ،وذلك نعلّله كون الكاتبة هي شاعرة بالدّرجة الأولى قبل أن تكون روائيّة لقد خضعت لمنطق الشّعر وتوارد الخواطر لا لمنطق بنية الرّواية. فقد استدعت قصائد، قصيدة أولى مطلعها”هذا القلب تأبّط الرّحيل والسّهر”(ص 98) وثانية مطلعها”هذا الجسد الواهن يعشق اللّيل والقمر”(ص101 ) لإضفاء نفحة شعريّة توشّي النّثر بدِثار شعريّ يعطف القلوب حينا ويعصف بها وجعا حينا آخر.ويحمل شعرها ألما انسانيّا نازفا ينهض ببناء نسيج الحكاية ويمثّل خيطاً منصهرا في نسيجها، واستدعاء “فاطمة محمود سعد الله”للشّعر يدعم شعريّة روايتها ويرفع درجة الغنائيّة فيها من الإيحاء ما فيها ومن الجماليّة آيات أخر.
3/تكرار ألفاظ:
قد تؤدّي اللّفظة في اللّغة وظيفة جملة، أو لعلها أحيانًا تؤدّي وظائفَ جملٍ كثيرة. ولن يتأتَّى هذا لكاتبٍ إلاّ إذا كانت ثروتُه اللّغوية واللّفظيّة عريقة ثريّة. كما ينبغي أن يكون حسُّه اللّغوي مُكمّلا شفَّافًا يُدرِك أعماق المعنى في الكلمة، كما يُدرِك كلّ الإشعاعات التّي تصدُر عن اللّفظ.فيأتي النّص مشبعا بالجماليّة الفنيّة السّامقة في مزجها بين وظيفتيْ اللّغة البلاغيّة والإبلاغيّة. فعنوان الرّواية”حوريّة” تكرّر مرار وتكرارا في مواقع متقاربة حينا متباعدة حينا آخر”حوريّة عبد الله”(ص 12)،”حوريّة” (ص 16)، “حوريّة” (ص 18)، “حوريّة”(ص19)، ” حوريّة “(ص22)،”حوريّة “(ص27)، “حوريّة “(ص 33)،” حوريّة”(ص 37)، وهذا التّكرار سمة تصويريّة مشتركة بين فصول الرّواية .فالرّؤيا عند الكاتبة تؤطّر لفلسفة الجسد و تجسيد آليّاته المختبئة وراء لغة الوصف المشفّرة الغنيّة بالتّأويل والإبطان أكثر من الإبانة و تفصيح الخطاب .وهو ما جاء على لسان”عمر” وهو يعرّف البطلة”حوريّة ” “مثال للأنثى بأتمّ معنى الكلمة…صمتها سمفونيّة قدسيّة، أنفها سبحان الخلاّق …عيناها غابتا نخيل…فمها جوهرة نادرة ودرّة مكنونة..هي مدينة سحريّة… خلاصة الوطن كلّ الوطن” (ص 33- ص37- ص38).فــ”حوريّة” من رحمها يخلق الكون فكيف تسوّل نفس “الوحش” للوحش أن ت?

