… في صغري كنت مولع بمشاهدة الدراما المصرية ، وكان يدهشنى دائما مشهد الولادة ، وبالذات مشهد الأوانى بالمياه الساخنة ، ودفعنى الفضول للسؤال عن دور المياه الساخنة فى عملية الولادة
… وأنا طفل حاولت تفسير هذا المشهد بعقليتى البسيطة المحدودة والتي عجزت عن التفسير
… ظل هذا اللغز يؤرقنى حتى أنهيت المرحلة الثانوية وقبل أن ألتحق بكلية الطب
… ففي الأفلام العربية التي أشاهدها ، ما إن تشعر المرأة بآلام الولادة حتى تقول إحدى السيدات العجائز لصاحبتها أو يقول الطبيب ، (قومي بتسخين الماء)
… فتهرع المرأة إلى المطبخ لتغلي إناءاً كبيراً تحمله في حذر إلى غرفة الولادة وهنا يغلق الباب في وجهنا فلا نعرف ما يحدث بعد ذلك
… ذات مرة تولد عندي الشجاعة الأدبية أن أسأل إحداهن عن إستخدام الماء الساخن في الولادة ، فتقول في غموض وكأنها تخفي سرا عسكريا : (هذه أمور نسائية لا تسأل عنها)
… ثم كبرت نوعاً فوجدت كتاباً لطبيب أمريكي لتبسيط العلوم الطبية (على غرار كتب الإسعافات الأولية) للقارىء ، بعنوان (حتى يحضر الطبيب) ، يقول المؤلف في باب الولادة (لاداعي لتسخين الماء لأن هذا قد يسبب حروقاً خطيرة لك أو الأم أو الجنين)
… هذا ما قاله الطبيب ، ولم يشرح إستخدام الماء الخاطيء الذي ينبغي أن نتوقف عنه ، إذن الأمريكان يسخنون الماء كذلك ولسبب مجهول
… دخلت كلية الطب إذن ، وانتظرت في صبر حتى درسنا الولادة ، وكل شيء عن الولادة والأغشية التي تنفجر ودوران الرأس و .. و .. وكل شيء ، وقد قمت بتوليد نساء كثيرات ولادة طبيعية ، وساعدت فى ولادات قيصرية في بداية حياتي ، ومن حبى وشغفى فى تخصص النساء والتوليد أذكر أننى فى فترة الإمتياز مكثت شهرين فى القسم وأقمت فيه إقامة كامله ولم أخرج منه إلا بعد انتهاء الشهرين ، على أمل أن أختار هذا التخصص ، ولكن شاءت الأقدار في ٱخر يوم أن أصرف النظر ، لخطأ وتقصير من العاملة في تجهيز السيدة قبل الولادة ، خلال الشهرين لم يحدث قط أن إحتجت للماء الساخن ، ولم أرى أي ولادة تحتاج للماء الساخن ، إلا أنا فقد إحتجت للماء البارد لإزالة مالحق بي بسبب تقصير العاملة
… لكنني فطنت بعد أن إبتعدت عن صرخات غرفة التوليد بعشر سنوات أنني لم أتلق الإجابة قط ، لم أعرف مايفعلونه بالماء الساخن في الأفلام
… هكذا إنتحيت بأحد كبار أطباء التوليد جانباً وسألته عن سر الماء الساخن ، فاتسعت حدقة عيناه في ذهول وظل ينظر لي عاجزاً عن الكلام بضع ثوان ثم قال ساخرا : (حقاً لا تعرف ؟! ، إنسان مثقف مثلك ، أو هذا ما كنت أحسبه ؟! ، أنت تمزح طبعاً ، لا يوجد تفسير عندي سوى أنك تمزح)
… هنا إنفجرت ضاحكاً وقلت له إنني كنت أمزح فعلاً ، عليه ألا يكون ساذجاً لهذا الحد ، هناك مشكلة مزمنة عندي هي أنني لا أبدو كمن يمزح عندما أمزح
… قال لي بلهجة جدية : (أنصحك ألا تسأل أسئلة بلهاء كهذه ، وإلا ظنوا بعقلك الظنون !)
… هكذا قضي الأمر وصار علي أن أبقى جاهلاً للأبد مادمت لا أملك شجاعة أن أبدو جاهلاً لنصف دقيقة ، وعلى كل حال قد كونت نظريتي الخاصة عن الموضوع
… فغالباً يستعمل الماء الساخن لقتل (الوليد) إذا كان قبيحاً ، أو هم يحرقون (الأم) به كي لا تشعر بألم الولادة ، وربما هم يفعلون هذا لاستفزازي فقط ، أي أنهم يسخنون الماء في كل الولادات كي أجن أنا
… وبعد إستمراري في السؤال والبحث تعرفت على سر (حلة المياه الساخنة) بكل مشاهد الولادة فى الأفلام العربية
… (يا أم السعد ، يا أم السعد ، يا أم السعد) ، صرخت فى الفيلم ، دلفت (أم السعد) إلى الغرفة ، حاملة (حلة) عملاقة ممتلئة عن ٱخرها بالمياه الساخنة لدرجة الغليان تتصاعد منها الأبخرة الكفيلة بإحراق جلد فيل أو أى إنسان يقترب منها ، ليعلم الله وحده مصير هذه الحلة ، وما تمثله من أهمية قصوى فى عمليات الولادة الطبيعية من وجهة نظر مخرجى السينما المصريين ، المشهد الذى يصور إمرأة تضع مولودها على فراشها فى المنزل ، هو الذى تكرر عشرات المرات ، ومازال السؤال الأهم قائماً فى كل مشاهد الولادة فى السينما المصرية (هم بيعملوا أيه بالمياه السخنة ؟!)
… الطب الذى عجز عن الإجابة عن هذا السؤال ، حمل تفسيراً واحداً لهذا المشهد المتكرر بإصرار فى الأفلام المصرية ، والسر الوحيد أن (الداية) قديماً كانت غالباً ماتحتاج لكمادات مياه (دافئة) لتوسيع فتحة نزول الجنين ، وتسهيل عملية الولادة ، وبعد ولادة الطفل ، كانت تقوم بمسح جسد الطفل بفوطة مبللة بالمياه الدافئة لتنظيف جسده من آثار الدم العالقة به بعد الولادة ، وهو مايتنافى تماماً مع أى تفسير قد يكون تبادر لأذهان البعض
… فالطبيعى عندما يرى المشاهد هذه الحلة العملاقة التى تتصاعد منها أبخرة اللهب ، أن يشعر بأن هذه المياه بالكامل يتم سكبها مثلاً على الأم ، أو أن الطفل يجب أن يخضع لحمام (ساخن) فور خروجه من الرحم
… أما الإجابة الحقيقية على هذا السؤال التى لخصها الطب فى الكمادات التى يمكن الإستغناء عنها ، تكمن فى نهاية الأمر فى كتب الإخراج بمعهد السينما ، فكأنما إتفقوا أن الولادة أمام الكاميرا لايمكن أن تتم بدون (حلة مياه سخنة ملتهبة)
تحياتى


تعليق واحد على “«(!)» خواطر طبية “الولادة” «(!)»”
تقديري واحترامي