بقلم الدكتور احمد صفوت السنباطي بمحكمة النقض
يمثل سد النهضة الإثيوبي اختباراً حاسماً لنظام القانون الدولي وقدرته على تنظيم النزاعات المائية العابرة للحدود، حيث تكشف الأزمة عن فجوة خطيرة بين المبادئ القانونية الراسخة والتطبيق العملي على الأرض فمن منظور القانون الدولي، تنتهك إثيوبيا بشكل صارخ مبادئ الاستخدام المنصف والمعقول، وعدم التسبب في ضرر ذي شأن، المنصوص عليها في اتفاقية قانون استخدام الانهار الدولية كما تتعارض السياسة الإثيوبية مع مبدأ التعاون الوثيق الذي أكدت عليه محكمة العدل الدولية في أحكامها السابقة بشأن المنازعات المائية.
على الصعيد السياسي، تمثل استراتيجية إثيوبيا نموذجاً للسياسة القائمة على فرض الأمر الواقع، حيث تستخدم الملء الأحادي للسد كأداة للضغط التفاوضي لتحقيق مكاسب سياسية واقتصادية هذا النهج يحول النيل من نهر دولي إلى أداة للهيمنة الإقليمية، مما يهدد بتقويض استقرار شمال شرق أفريقيا بأكمله كما تكشف الأزمة عن محدودية الآليات الدولية في فرض الاحترام للقانون الدولي، حيث تتعثر جهود الوساطة الأفريقية والدولية في مواجهة التعنت الإثيوبي.
تداعيات السد على الأمن القومي المصري تتجاوز الجانب المائي لتشمل أبعاداً استراتيجية شاملة فمن الناحية الاقتصادية، يشكل السد تهديداً مباشراً للأمن الغذائي المصري، حيث قد يؤدي انخفاض حصة مصر المائية إلى تقليص المساحة الزراعية بنسبة تصل إلى 40٪، وفقاً لبعض التقديرات كما يهدد النمو الصناعي والاستثمارات في القطاعات المنتجة للمياه.
عسكرياً، تخلق أزمة السد تحديات استراتيجية جديدة، حيث تضطر مصر إلى إعادة توزيع أولوياتها الأمنية لمواجهة تهديد وجودي غير مسبوق كما تضع الأزمة الجيش المصري أمام سيناريوهات متعددة للتعامل مع تهديد يمس صميم الأمن القومي.
دبلوماسياً، تكشف الأزمة عن تحول في موازين القوى الإقليمية، حيث تستخدم إثيوبيا تحالفاتها الدولية والدعم الصيني لمواجهة الضغوط المصرية كما تظهر محدودية الدور العربي في إدارة الأزمات الإقليمية، رغم الخطورة الاستثنائية التي تمثلها الأزمة على مصر كدولة عربية.
المستقبل القانوني والسياسي للأزمة يرتبط بمدى قدرة مصر على توحيد الجبهة الدبلوماسية لمواجهة التحديات السياسية والقانونية التي قد تواجهها ويتطلب الأمر بناء تحالفات إقليمية ودولية قادرة على ممارسة ضغط فعال على إثيوبيا وتبقى الأزمة في جوهرها اختباراً لإرادة المجتمع الدولي في الحفاظ على نظام قانوني دولي قادر على تنظيم النزاعات ومنع تحولها إلى صراعات مفتوحة وان فشل النظام الدولي في إيجاد حل عادل لهذه الأزمة قد يشجع دولاً أخرى على تبني سياسات أحادية تهدد استقرار المناطق المشتركة في الموارد حول العالم.

