وأكمـــالا لمـا جــاء فـي الجــزء الســـابق وكــان المطلـــوب أعــادة تقييـــم التصـــور التــاريخي مطـــلوب فالقــدمـاء بــرعـوا فـي البنـــاء والهندســــة والفـلك والطـــب والجيـولوجيـــا والزراعـــــة والكيميـــاء وغـــيرهـا. وعــند قـــراءة التــاريخ لأبـــد مـن التجـــرد مـن الأخــتلافـات العقـــائـدية والعرقيـــــة والمذهبيـــــة حـتي لا يتــم تحـريــف الحقــائق أو تضـــخيم بعضـــها عـلي حســـاب الآخـــري.
وعـلي ســـبيل المثـــال قصـــتين رائعتيـــــن مـن القــرآن الكــريم فيهـــم العـــديد مـن العــــلوم المســــتترة فـي الأيــــات. والآيـــات مـا هـي الا نـــور وبــدايــة للتـــدبر والتــأمـل ومحــاولات التــأويـل طبقـــــا للمكتشــــف مـن عــلوم مـع عــدم أنكـــار مـا تمتعــــت بـه الحضـــارات القديمـــة مـن تكنـــولوجيـا للأســــف علـومنـا الحديثــــة لـم تكتشــــفها بـل وتنكـــرهـا حـتي الآن أعتبـــارها الدروينيـــــة وجهـــل وتخـلـــف الأنســـان قديمــا هــو الأصـــــل.
والقصـــة الأولـــي هـي فـلــك نــبي الله نــوح عليـــه الســـلام.
أولا: الآيـــات القرآنيـــــة التـي ورد فيهــــا لفـــظ الفـلــك بتـدبـرهـا وحســـن قــرائتهـــا يتضـــح المعـــني.
فَكَذَّبُوهُ فَأَنجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا عَمِينَ. ســـورة الأعــراف 64. هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّىٰ إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ
الْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنجَيْتَنَا مِنْ هَـٰذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ. ســورة يونـس 22. فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلَائِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنذَرِينَ. ســورة يونــس 73.
وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ. ســـورة هــود 37. وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِّن قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِن تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ. ســورة هــود 38. اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ. ســـورة أبراهــيم 32. وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ
وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ. ســورة النحــل 14.
رَّبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا. ســورة الأســراء 66. وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ. ســورة المؤمنــون 22.
فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ. ســورة المؤمنــون 27. فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنتَ وَمَن مَّعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ. ســورة المؤمنــون 28.
فَأَنجَيْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ. ســورة الشـــعراء 119. فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ. ســورة العنكــبوت 65.
وَمِنْ آيَاتِهِ أَن يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ وَلِيُذِيقَكُم مِّن رَّحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ. ســورة الـروم 46.
أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ لِيُرِيَكُم مِّنْ آيَاتِهِ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ. ســـورة لقمــان 31.
وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَـٰذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَـٰذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِن كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ. ســورة فـاطـر 12.
وَآيَةٌ لَّهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ. ســورة يـونـس 41.
وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (139) إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (140) فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ (141) فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ. ســورة الصــافـات.
لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ. ســورة غـافــر 80.
وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ. ســورة الزخــرف 12. اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ. ســورة الجاثيــة 12.
إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ. ســورة البقـــرة 164.
وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ. ســـورة الأنبيـــاء 33.
أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَن تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ. ســـورة الحــج 65.
لَا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ. ســورة يـس 40.
الفلـك (الجــذر: فـلـك) وهـي التـــل المســــتديـر مـن الـــرمــل حـــولـه فضـــــاء. وهــو أيضـــا المـــدار الـذي يســـبح فيــه الجـــرم الســـماوي. وفلـك البحــــر المـــوج المســـتديـر المضـــطرب.
ولكــي يتـم تصـــنيع الفـلـك لأبــــد مـن أتخـــاذ العــديد مـن الأجــراءات.
فَكَذَّبُوهُ فَأَنجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا عَمِينَ. ســـورة الأعــراف 64.
وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ. ســـورة هــود 37. وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِّن قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِن تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ. ســورة هــود 38.
فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ. ســورة المؤمنــون 27.
ولكــي يـتم تصــنيع الفـلـك الســـفينة لأبـــد مـن وجــود ورشــــة مجهـــزة (تســمي أحيــانـا حــوض بنــاء الســـفن) لبنـــاء الســـفن. وهــذا المكــان مــزود بالآلآت والمعــدات الخاصـــة لأتمــام أعمــال البنــاء بمراحلهــــا المعقـــدة المختلفــــة. نــبي الله نـوح عليــه الســلام أخــذ عــلوم البنــاء كــافة مـن وحــي الله تبـــارك وتعـــالي فقوانيــــن التصــميم والتشـــييد تـم أخـذهـا مـن عــلام الغيـــوب. ولكــي يــتم البنـــاء عـلي نحـــو أمــن ليـــؤدي وظيفتـــــه عـلي الـوجـه الأكمـــل. لأبـــد مـن عمــل تصــميم أولـي طبقـــا لطبيعـــة الأســـتخدام ومنهـــا يـتم تحــديد الأبعــــاد ســـواء الخارجيــــة أو الداخليــــة (الطــول – العـــرض – العمـــق “ســـواء الطــافي والغاطـــس”). ويــلي ذلــك التصــميم التفصـــيلي والـذي يتضـــمن تصــميم الهيـــكل (التجاليـــد الداخليــــة “أعمـــدة – أســـقف – أرضـــيات” والتجاليـــد الخارجيـــة المعرضــــة للمــاء والصـــدمـات بكـــل مـا هــو طـــافي ولتحمـــل صـــدمـات الأمــواج. وكذلــك المحــركـات وأنظمـــة التحــكم والتهـــوية). يــلي ذلــك تجهـــيز كـافـة المــواد الخــام المســتخدمـة فـي أعمــال التشـــييد والبنـــاء وكذلـك المعـــدات والأنظمـــة اللأزمــة لتشـــغيل الفـلـك عـلي أكمـــل وجــه دون أن تتعــرض للغـــرق أو الأعطـــــال.
وبعـد أنهـــاء كـافـة التصـــميمات الأوليـــة والتفصـــيلية وتجهـــيز كـافـة المــواد الخــام والمعــــدات تبـــدأ عمليـــة البنـــاء. يتــم البـــدء فـي بنـــاء الهيــكل الخــارجي والبـدايـة تكــون بتصــنيع وتركــيب الهيـــكل الســفلي والـذي يعتـــبر الأسـاس للبنـــاء ثـم يــلي ذلــك أعمــال تصـــنيع وتركـــيب البـــدن الخـــارجي (الجوانـــب – الأســـطح والأرضـــيات للأدوار المختلفــــة – الســـطح العـــلوي) وهنــا قــال تبــارك وتعـــالي:-
وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِّن قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِن تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ. ســورة هــود 38.
البعـــض يعتقـــد أن الفـلـك تـم صـــناعتهـا مـن الأخشـــاب لكــن هنـــاك أحتمــال أنهـا صـــنعت مـن ألــواح معـدنيـــة فقـــد قــال الله تبــارك وتعــالي ” وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَىٰ أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (12) وَحَمَلْنَاهُ عَلَىٰ ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ (13) تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِّمَن كَانَ كُفِرَ. ســورة القمـــر”
الألــــواح (الجـــذر: لـــوح) ولكــي يمكـــن تـأويـــل معــني ألـــواح نتــدبر الآيـــات الكريمــــة.
وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِّكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا ۚ سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ. ســورة الأعــراف 145.
وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَىٰ إِلَىٰ قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِي ۖ أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ ۖ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ ۚ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ. ســورة الأعــراف 150.
وَلَمَّا سَكَتَ عَن مُّوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ ۖ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ. ســورة الأعــراف 154.
فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ. ســـورة البــروج 22.
فالألـــواح هـي صـــفائح قــد تكــون مـن حجـــر أملـــس أو مـن فــلز أو مـن خشـــب أو مـن غــيرهـا. ويتضـــح التصـــفيح والعــرض الكــبير أو الشـــديد فـي ســـورة المـدثــر 29 (لَوَّاحَةٌ لِّلْبَشَرِ).
أمـا عـن دســــر (الجـذر: دســــر). دســـرت الســـفينة المــاء (دفعتـــه دفعـــا شـــديدا) ولا يتــآتي ذلـك الا بواســــطة محــركـات. ودســـر الشــئ آي دفعـــه دفعـــا تحــت تآثيـــر مـؤثــر خــارجي. والدســـار هــو ما يشـــبه المســمار محــدد الطرفــين يضـــم بـه لــوح الـي آخـــر بأدخـــال طرفيـــه فـي اللوحــين. وهـذا يشـــبه أعمــال البرشــــمة للألــواح المعدنيـــة كذلـــك”. وعــدم وجــود آثـــار لهــذا الفـلـك العظـــيم يعــني أعـــادة تـدويــره بتفكــيكه وأســـتخدامـه كمبـــاني وغـــيرهـا لمــن كــانــوا راكبيهـــــا.
وبعــد أنهــاء تركــيبات البــــدن يـلي ذلـــك تركـــيب المحــركـات والأنظمـــة المختلفـــــة بمـا فيـــها أنظمـــة الــدفع.
ومـع أنهــاء أعمــال التركـــيبات يـتم الأنتهـــاء مـن أعــداد الأجــزاء الداخليــــة (الأمـاكـن الخاصــــة بالمعـــدات والأنظمـــة الميكانيكيـــة والأمـاكـن المخصصــــة للطــاقـم والـركـاب وكذلــك أمـاكـن التخـــزين للأطعمـــة والميـــاة وغـــيرهـا مـن الخـدمـات اللأزمـــة. ويــلي ذلــك أعمــال التدريـــب عـلي التشـــغيل Startup & commissioningلكـي تتـم وظيفـــة الفـلك بنجـــاح دون أعطـــال أو توقــــف. ويجـــب مـراعــاة الأخــذ فـي الأعتبـــار أعمــال الطــلاء والتشــــطيب لحمـايتهــــا مـن التــآكـل والعـوامــل البيئيـــــة). وقـد يتضـــح مـا ســـبق فـي قــول الله تبـــارك وتعــالي “ وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَىٰ نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلَا تَكُن مَّعَ الْكَافِرِينَ(42) قَالَ سَآوِي إِلَىٰ جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ ۚ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَن رَّحِمَ ۚ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ. ســـورة هــود”. وهـذا يعــني أن الفـلـك كانــت مجهـــزة لتحمـــل الأمــواج العمـلاقة كالتوســـونامي بخــلاف أنهــا مجهـــزة بوســـائل أتصــال أو منــاداة أو كلاهمــــا.
وهنـــا يــآتـي بـدايـة الرحـلـة “حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ ۚ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ(40) ۞ وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا ۚ إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ. ســـورة هــود” وكـان التكلــيف لنبــي الله نــوح أن يحمــل معــه مـن كــل زوجــين أثنيـــــن. وهنـــا يــآتي الســـؤال كــيف جمــع نــبي الله نــوح عليــه السـلام مـن كـل زوجــين أثنيـــن؟ ومـا هـي الطريقــــة للجمـــع قبــل الرحـلة بشـــكل مباشــــر؟ وهــل كـان الجمـــع للكائنـــات بمـاديتهــــا كـامـلة أم تـم أخــذ الشـــيفرة الوراثيــــة وحـدث بعــد أنتهـــاء الـرحـلة أســـتنســاخ لهــذه الكائنـــات؟.
وكانــــت الرحــلة فـي الفـلـك المشـــحون وفــق أمــر الله تبــارك وتعــالي ومشـــيئته.
فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلَائِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنذَرِينَ. ســورة يونــس 73. وكــان مـن نــبي الله نــوح عليــه الســلام ومـن معـــه الخـلائـــف فـي الأرض.
فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنتَ وَمَن مَّعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ. ســورة المؤمنــون 28.
فَأَنجَيْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ. ســورة الشـــعراء 119.
وَآيَةٌ لَّهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ. ســورة يـونـس 41.
وهنـــا لأيجــاد معــني المشـــحون “الجــــذر: شـــحن” فالمشـــحون مـن صـــدره مشـــحون بِالكراهيـــةِ آي ممـــلوء. وكذلــــك مـن هلمــوا نخــرج مـن هـذا المكــان المشـــحون بالآثــام والمعاصـــي.
ونهـــاية الـرحــلة فأيقـــاف الأمطـــار وأبتـــلاع الأرض للمـــاء لترســــو الســـفينة بأمــان لينـــزل مـن عليهــــا وهــي الــبدايـة الثانيـــــة للبشـــرية والكائنــــات “وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ ۖ وَقِيلَ بُعْدًا لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ. ســـورة هــود 44”.
فهـــل كـل مـا جــاء فـي قصـــة فـلـك نــبي الله نـوح عليــه الســـلام بـدون عــلوم وتكنــولوجيـا وقوانيـــن حاكمــــة لصــناعة الفـلـك وبـدايـة الرحــلة وأســــتمراهـا ونهـــايتها. فتبـــارك الله أحســـن الخالقـــين رب العـرش العظـــيم.
أكتفــــي بهـــذا القـــدر ونكمـــل فـي الأجــزاء القــادمـة أن شـــاء الله ســبحانه وتعــالي.
خــالــد عـبد الصـــمد.

