الحقيقة، كتبتُ هذه الكلمات اليوم لأتساءل: لماذا عباد الله قانطون من رحمته؟ لِمَ كل هذه النظرات التشاؤمية؟ قليل من يرضى عن حياته ويسعد بها. الحقيقة أننا السبب في هذا الشعور؛ لأننا لا نعطي الأمور مقاييسها. لقد خلق الله لكل شيء في هذه الحياة مقياسًا؛ فالحديد يُقاس بالطن، والذهب يُقاس بالجرام، والماس والجواهر بالقيراط، وعطاؤه ورحمته تعالى تُقاس بالذرة. يعني لا عمل لك يذهب هباءً، فقط اسعَ واعمل، ولك خالق له ميزان أدق من موازين الجواهر، يجازيك بالذرة. فهل هناك عدل أكثر من ذلك؟ ألم يقل الله تعالى في محكم تنزيله: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: 7]. الآية تقول إنك إن عملت ذرة خير، تُجازَ عليها جزاءً مفتوحًا، ولم يقل رب العزة إنه يبدلك الذرة بذرة، بل تفعل الذرة وتُجازَى عليها جزاءً مفتوحًا. فالعدل في المقياس كامل، والعطاء مفتوح. وبعد كل ذلك، تقنط من رحمة الله ونعمه؟ أرى أننا نثقل على أنفسنا، فأرض الله واسعة، وعطاء الله لا حدود له. فإن ضاق رزقك في أرض، ابحث عن غيرها.
ماذا أفعل نفسيًا إذا كنت يائسًا؟
الحقيقة أن علم النفس لا يقدم وصفة سحرية تقربك من خالق السماء والأرض وتجعلك راضيًا مطمئنًا بقضائه، ولكنه يقدم خريطة طريق يمكن التغلب على اليأس بها. وتتمثل هذه الخطوات في:
* إعادة صياغة الأفكار السلبية (Cognitive Restructuring): هذه التقنية، المستمدة من العلاج المعرفي السلوكي (CBT)، تساعد الأفراد على تحديد الأفكار السلبية وغير المنطقية وتحديها. فبدلًا من القول “أنا فاشل دائمًا”، يمكن إعادة صياغتها إلى “لقد واجهت صعوبات في هذا الأمر، لكن يمكنني التعلم منها”. هذا التغيير في المنظور يفتح الباب أمام حلول جديدة ويقلل من الشعور بالعجز.
* بناء المرونة النفسية (Resilience Building): المرونة هي القدرة على التعافي من الشدائد والتكيف مع التغيرات. يمكن تنمية المرونة من خلال تطوير مهارات حل المشكلات، وتعزيز شبكات الدعم الاجتماعي، وممارسة العناية الذاتية، وتعلم كيفية إدارة التوتر. الأفراد المرنون لا يتجنبون المشاكل، بل يتعاملون معها كفرص للنمو.
* تحديد الأهداف الواقعية والخطوات الصغيرة: الشعور بالإنجاز، حتى ولو كان صغيرًا، يمكن أن يكون وقودًا للأمل. يساعد تحديد أهداف واقعية وقابلة للتحقيق، وتقسيمها إلى خطوات صغيرة، على استعادة الشعور بالسيطرة والتقدم. كل خطوة يتم إنجازها تعزز الثقة بالنفس وتقلل من الشعور باليأس.
* تعزيز الروابط الاجتماعية (Social Connection): البشر كائنات اجتماعية بطبعهم. الانعزال يفاقم اليأس، بينما الدعم الاجتماعي يوفر شبكة أمان عاطفية. التحدث مع الأصدقاء أو العائلة، أو الانضمام إلى مجموعات الدعم، يمكن أن يوفر منظورًا جديدًا ويشعر الفرد بأنه ليس وحيدًا في معاناته.
* التفكير في الغاية والمعنى (Purpose and Meaning): إيجاد معنى للحياة، سواء من خلال العمل التطوعي، أو العلاقات الشخصية، أو السعي لتحقيق أهداف سامية، يمكن أن يمنح الفرد شعورًا بالهدف الذي يتجاوز الصعوبات اليومية. هذا الشعور بالغاية يقلل من احتمالية السقوط في فخ اليأس.
اليأس كمحفز للتغيير .
أو نمتثل لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾ [الحجر: 56].

