لم تكن بيئات العمل يومًا ساحة متكافئة بالكامل؛ فالتميّز والاجتهاد والالتزام قيمٌ يُفترض أن تكون الطريق الطبيعي للصعود، لكنها في واقع اليوم قد لا تكون وحدها العامل الحاسم.
وهذه ليست مرارة شخصية، بل ظاهرة يراها كل من يعمل في مؤسسة صغيرة أو متوسطة أو كبيرة: موظف يُتقن عمله ولا يُلتفت إليه، وآخر يُدفع للأمام دون إنجاز يُذكر، فقط لأنه قريب من صاحب قرار، أو يجيد الظهور، أو يعرف لغة العلاقات أكثر مما يعرف لغة النتائج.
فأين توجد المشكلة؟ .. المشكلة لم تعد في قلة المجتهدين، بل في تغيُّر معايير التقدير.
في أماكن كثيرة، أصبح الصوت الأعلى يغطي على العمل الأفضل، وصاحب العلاقة يحجب صاحب الكفاءة، حتى أصبح التفوق نفسه وكأنه “ميزة غير ضرورية”.
نرى في مؤسسات اليوم نموذجين:
1. موظف صامت يعمل بضمير
يصوّب الأخطاء، ويستكمل ما فشل فيه الآخرون، ويضمن سير العمل بلا ضوضاء… لكنه يُركَن على الرف، وكأن الاعتماد عليه عُقوبة لا ميزة.
2. موظف آخر يعلو فوق الجميع
ليس لأنه الأكثر خبرة، بل لأنه الأحظّ بعلاقة، أو الأكثر قدرة على الظهور، أو الأقرب من دائرة صنع القرار.
وهنا تبدأ المعادلة المختلة: قيمة بلا استحقاق، وتراجع للكفاءات التي تُهمَّش لصالح من لم يُقدّم سوى الولاء أو الظهور.
ويحدث ذلك لأن بعض البيئات الإدارية ما زالت تعمل بمنطق “الوجاهة” لا “النتاج”، وبفكرة “هل أراه أمامي؟” وليس “ماذا قدّم فعليًا؟”.
هذه البيئات لا تعرّف القيمة بالعمل، بل بالقرب، ولا تحدد المنصب بالكفاءة، بل بالرغبة. وهنا تتآكل روح المؤسسة، ويتراجع الأداء، وتضيع العدالة المهنية.
هل يعني ذلك أن الجهد بلا قيمة؟ والاجابه لا.
لكننا في زمن تحتاج فيه الكفاءة إلى سند مؤسسي، وإلى نظام عادل يربط بين المخرجات والمكافآت.
الجهد وحده لا ينهزم… لكنه يُهزَم عندما تتواطأ البيئة ضده، وعندما تصمت الإدارة عن الظلم، وعندما تغيب آليات تقييم حقيقية.
فمن يصنع القيمة إذن؟ القيمة عزيزي القارئ في العمل لها ثلاثة صناع إن غاب أحدهم اختلت المنظومة:
1. الموظف نفسه:
بالعلم، والمهارة، والإنجاز الفعلي، لا بالمظهر. وهو الأساس الذي لا يمكن تجاوزه.
2. الإدارة العادلة:
التي تضع معايير وتلتزم بها، وتربط التقدير بالإنجاز، لا بالولاء.
3. بيئة العمل:
التي تصنع نظامًا يمنع التحيّز، ويكشف التقصير، ويحمي أصحاب الجهد من التهميش.
لذلك عندما تختفي العدالة المهنية نلاحظ في جميع المؤسسات التالي :
• يتراجع أداء المؤسسة.
• يغادر الكفاءات الأكثر قدرة.
• يترقى أقل الناس إنتاجًا.
• يتشكل “هرم مقلوب” يقوده من لا يملك أدوات القيادة.
• وتصبح المؤسسة عبئًا على نفسها قبل أن تكون عبئًا على الناس.
ومع ذلك… تبقى الحقيقة الصلبة رغم أن المشهد يبدو “عكس ما يجب أن يكون”، ورغم أن المجتهد يُحمَّل أكثر مما يُكافأ…
إلا أن القيمة الحقيقية لا يمكن تزويرها إلى الأبد.
قد يُرفع غير المستحق يومًا، وقد يُهمَّش صاحب الكفاءة عامًا…
لكن التاريخ المهني طويل، وعمر المؤسسات أطول، وعند أول اختبار حقيقي تظهر المعادن، ويسقط من لم يُبنَ صعوده على أساس.
العجلة تدور، وما بُني على مجاملة يسقط حين يأتي وقت العمل الفعلي.
نعم… في هذا الزمن نرى من يعمل أكثر يأخذ أقل، ومن يقدّم أقل يأخذ أكثر.
ولكن:
القيمة الحقيقية لا يصنعها مسؤول يرفع اسمًا فوق اسم، بل يصنعها أثر باقٍ لا يمكن لأحد أن ينسبه لغير صاحبه.
والمؤسسات التي تفهم ذلك هي وحدها التي تبقى.

