سؤالٌ يشبه شرارة صغيرة ، لكنها قادرة على إشعال طريقٍ كامل من الضوء . نقف كثيرًا عند عتبة الحياة ننتظر ، نراقب الوجوه ، ونؤجل الخطوة الأولى ، وكأن البداية حقٌّ محفوظ لغيرنا لا لنا .
البداية ليست سباقًا في السرعة ، بل امتحان للشجاعة . من يبدأ أولًا لا يملك بالضرورة كل الإجابات ، لكنه يملك الجرأة على السؤال ، ولا يحمل اليقين الكامل ، لكنه يؤمن بأن التقدم لا يولد من الانتظار. كم من حلمٍ ذبل لأنه ظل معلقًا على شرط أن يبدأ غيره !
في العلاقات الإنسانية ، من يبدأ بالسلام يختصر مسافات طويلة ، ومن يبدأ بالاعتذار يعلو قدرًا لا ينقص ، ومن يبدأ بالعطاء يفتح نوافذ الرحمة في القلوب المغلقة . ليست البداية ضعفًا ، بل قوة ناعمة لا يفهمها إلا الحكماء .
وفي ميادين الفكر والعمل ، التاريخ لا يتذكر المترددين ، بل يسجل أسماء الذين تقدموا خطوة حين تراجع الآخرون . هم لم يكونوا أكثر الناس حظًا ، لكنهم كانوا أكثرهم إيمانًا بأن الطريق يُصنع بالمشي عليه .
من يبدأ أولًا يخطئ ، نعم ، لكنه يتعلم . يتعثر ، لكنه ينهض . أما من ينتظر ، فيبقى سجين الاحتمالات ، لا خاسرًا ولا فائزًا ، فقط متفرجًا على مرور العمر .
في النهاية ، لا تسأل : من يبدأ أولًا ؟!
بل اسأل نفسك : متى أبدأ أنا ؟!
فربما كانت هذه اللحظة هي البداية التي طال انتظارها .

