كتبت هذا المقال بقلب يدق بوجود خالق لهذه الأرض والسماء، خلق كل شيء فأحسن خلقه، وجزء ممن خلقه بداخلنا، عَرَّفه فرويد بـ”الأنا الأعلى”. يؤكد فرويد أن الأنا الأعلى يمثل الضمير الأخلاقي عند البشر، وأنا أرى أن فرويد قد ذكر مرادفًا جديدًا لما علمه لنا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، فيما نزل عليه من رب السماء وما عُرف بالنفس أو الضمير.
هل أصحاب المبادئ يعيشون بأنا معذبة؟
الحقيقة أن أصحاب الإيمان الحقيقي يعيشون بنفس مطمئنة راضية، تبذل كل ما هو غالٍ وثمين، راضين مطمئنين حتى لو كلفهم مبدأهم أموالهم وأعمارهم. أصحاب المبادئ هم من عمروا هذا الكون بمبادئهم، وقد حسم رب السماء والأرض ذلك في قوله: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا}. فأصحاب النفوس السليمة الذين يؤمنون إيمانًا حقيقيًا بمبدأ، لن تعذب الأنا العليا يومًا، ولن تلومهم، لأنهم آمنوا بالخير وسعوا في الأرض يزرعونه. أصحاب هذه النفوس هم الأنبياء والرسل وأتباعهم ومن سار على هديهم منذ بدء الخلق حتى الآن. كلنا نتذكر قصة الزبير بن العوام عندما دخل على أمه أسماء وقد بلغت من العمر التسعين وفقدت بصرها، وقال لها: “يا أماه، إن البشر قد تجمعوا عليَّ”، فأجابت: “يا بني، انظر إلى نفسك؛ فإن كنت ترى نفسك على حق، فإن الشاة لا يضرها سلخها بعد ذبحها. وإن كنت ترى نفسك على باطل، فقد ضيعت نفسك وأهلك.” ولأنه كان يعلم أن نفسه على حق، خرج ولم يعد.
ما الذي يعذب الأنا الأعلى؟
لا تعذب الأنا الأعلى طالما صاحبها راضٍ مطمئن بأن أقواله توافق أفعاله. لكن الذي يعذب الأنا الأعلى هو عندما يقول أصحابها أشياء ويُظهرونها، وهم في قرارة أنفسهم يفعلون غيرها. والأنا من خلق الباري القادر على كل شيء، ويعلم ومُطّلع على ما بداخل النفس، فيجعل نفسه تلومه وتعذبه ويعيش في صراع بين ما يريد وما تريده نفسه اللوامة.
كيف أعيش بنفس مطمئنة؟
أن تتحد قناعاتي مع قناعات وضعها خالقي وأمرني باتباعها، ولا أجعل نفسي نفسًا أبى رب السماء والأرض أن يقسم بها في قوله: {لَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ}.
حقيقة الإيمان بالأخلاق
إن الإيمان بمبادئ وأخلاق لا يمثل ثقلًا على أصحابها، بل على العكس يجعل أصحابها سعداء بكل ما يبذلونه من أجل مبادئهم، فرحين بها. كلنا نتذكر جيدًا حاتم الطائي الذي آمن بمبدأ العطاء، فأطعم ضيوفه بلا حد، وظن أنه أكرم العرب. ودفعت به الظروف يومًا أن يكون ضيفًا على غلام من طيء، فدخل خيمته وكان أمامها عشرة من رؤوس الأغنام، وقدم له طعامًا فاستطابه وقال للغلام: “ما أطيب لحمه”. وسار الغلام كل يوم يذبح غنمه ويطعمها لحاتم. وعند خروجه لم يجد غنمة واحدة ووجد دماءً كثيرة، فسأله: “أين غنمك؟”، فأجابه: “هل تستطيب طعامًا وأمنعه عنك؟”. فعوضه حاتم خمسمائة ناقة حمراء وخمسمائة رأس من الغنم. وعندما قيل لحاتم: “أنت أكرم منه”، أجاب: “بل هو أكرم؛ أعطاني كل ما يملك وأنا أعطيته البعض”. هؤلاء هم أصحاب المبادئ. لو كان بين ضلوع أحدهم أنا تلومهم، ما فعلوا ذلك.”

