بقلم د. دعاء معاطي
كثيرًا ما نملُّ من أعمالنا البسيطة، التي رأيتُ اليوم أننا في حاجة ماسة لأن نشكر الله تعالى تمامَ الشكر على نعمة الحصول على الرزق بأمان ودون عناء. ولماذا أشكر الله كل هذا الشكر؟ القصة تبدأ في كيلو الجمبري الأحمر، الذي سألتُ اليوم عن ثمنه في منطقة بحرية، فأجاب البائع: 800 جنيه. فسخرتُ من البائع قائلةً: “لماذا؟” فأجاب: “خذي الأبيض بـ 400 جنيه”. فانتابني الفضول لأعرف لماذا كل هذا الفرق الشاسع في السعر؟
أتفاجأ بأن البائع صياد ماهر، يضحك ويجيب: “لأننا عندما نحضر الجمبري الأحمر، تبيت القروش بدون عشاء، فنحن نحصل عليه من أماكن عميقة جدًا تتواجد فيها القروش بكثرة، ويعتبر بالنسبة لهم غذاءهم المفضل. أما الجمبري الأبيض، فنحصل عليه بالقرب من الشاطئ؛ فهو يوجد في المستنقعات وفي مصبات الأنهار”.
وحتى أقدم للقارئ معلومة حقيقية، تأكدتُ بنفسي من صدق ما قاله، فالفرق في السعر يرجع لمكان التواجد وعناء الحصول عليه، فلا توجد أي فروق جوهرية تُذكر في القيمة الغذائية.
التفكير الذي انتابني في هذه اللحظة هو كمية المشقة والعناء التي يشعر بها أصحاب الحرف، ونحن نشكو ونتذمر من أعمالنا البسيطة. أي عمل أعقد من أن يحصل الشخص على غذاء أطفاله بالمقاسمة مع أسماك القرش في قاع البحار والمحيطات؟ يُحارب الأهوال من أجل لقمة عيش حلال، وقد تتعرض حياته للانقضاء حقًا. العالم الذي نعيش فيه مليء بالغرائب!
لا تنظر في رزق غيرك، فلا تعلم ماذا دفع فيه من راحته وعمره ليحصل عليه. بعد كل التعب الذي تحمله، هو يقف أمامي وملابسه مبللة وعيناه تترقبان: هل ما حصل عليه من باطن البحار سيكون قادرًا على أن يبيعه ويعود إلى بيته؟ وهل يستطيع أن يجد من بيننا من يقدّره؟
هذا ما يجعلني الآن أختم مقالي بقوله تعالى: “وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ * فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ” (الذاريات: 22-23). دعوا الخلق للخالق، ولا تنظروا إلا في أرزاقكم، فلله في خلقه شؤون.

