لا شك أننا فى عصر الرقمنى وهذا ربما يكون من اقوى التحديات التى تواجه الصحفي أو الاعلامى فى نقل الخبر او الحدث
لان مطلوب من كلن منهم توضيح النقاط بصوره سريعه ومختصره
لان القارئ أو المشاهد فى عصرنا هذا يحتاج السرعه فى الأسلوب والأداء وهى مايسمى بالموضوعية
ورغم هذه التعقيدات التي تسم الموضوعية في العصر الرقمي، ثمة معنى عام متفق العاطفي أو الأيديولوجي. فالحكم العاطفي أو الأيديولوجي هو الحكم غير القادر على رؤية الواقع إلا من خلال قوالب محددة سابقًا، سواء وضعها الصحفي لنفسه أم وضعتها له المؤسسة التي يعمل بها. وإذا كانت هذه التعقيدات تنفي وجود فكرة الموضوعية المثالية، فإن على الصحفي أن يتحلى بما أسميه “الموضوعية المنضبطة”، أي المحكومة بمعايير شفافة. فالموضوعية المنضبطة لا تنفي مطلق التحيز، ولكنها تعترف بوجود تحيزات مرتبطة بقيم محددة؛ فميزة الموضوعية المنضبطة أنها تفصح عن تحيزاتها، فتُخرجها من دائرة المسكوت عنه أو المخفي إلى دائرة المعقلن عبر تقديم تسويغات لهذه التحيزات، تنسجم مع مرجعياتها وثوابتها.
ولكن ما المعايير الضابطة لتحيزات الصحفي ومؤسسته؟ تستند الموضوعية المنضبطة إلى معايير قويمة، ونعني بقويمة هنا الانضباط والاتساق والقابلية للتطبيق باستقامة من دون تلوّن، أي الابتعاد عن التفضيلات الخاصة التي تختلف فيها المصالح ووجهات النظر الشخصية والسياسية. ويمكن ضبط هذه المعايير -من وجهة نظر
الاستناد إلى مبادئ أخلاقية واضحة ومتفق عليها، كالتحيز لجانب القيم الإنسانية مثلًا، كعدم انتهاك خصوصيات الأفراد، والتحيز إلى فئة المستضعفين، لأن الصحافة يُفترض بها ألا تخدم فئة أصحاب القوة والنفوذ، وكالتحيز للقضايا العادلة والأخلاقية الواضحة، كمقاومة الاحتلال والاستبداد. فهذه مسائل لا تعبّر عن وجهات نظر، كما لا تعبر عن مسائل خلافية، كما أنه لا يُقبل فيها الحياد والتجرد التام، لأن الحياد هنا موقف غير أخلاقي يتنافى مع قيم العمل الصحفي نفسها القائمة على نقل الواقع، والكشف والاستقصاء، والنقد
ألا يترتب على هذا الانحياز إخلال بقيم أخرى متفق عليها؟ فلا يجوز أن يختلق وقائع أو يبالغ في تفاصيل تحت ذريعة الانحياز إلى القيم السابقة، فلا يمكن خدمة قضية عادلة عبر الإخلال بقيمة الصدق والدقة والأمانة في رواية الواقع كما هو، فالصحفي ليس ناشطًا ولا مناضلًا في سبيل قضية، وإنما راوٍ يجب أن يتوفر فيه وفي روايته من الصفات ما يضمن تحقق الصفة الأخلاقية في شخصه وفي روايته معًا.
ثم الإن الاستثمار في نقل الواقع أو في نصرة قضية ما من شأنه أن يخلّ بأخلاقية العمل الصحفي إذا ما تحوّل الاستثمار إلى المقصود بالقصد الأول من التغطية، بمعنى أن المحرك الأول والرئيس هو المصلحة وليس العمل الصحفي المهني، وهذا سيقود بالضرورة إلى الصمت في مواضع أخرى؛ خدمة للمصلحة التي من سماتها التبدل والتعارض، على حين لو كان الاستثمار مقصودًا بالقصد الثاني أو التبعيّ فستبقى المصلحة القاصرة محكومة إلى قيمة أعلى منها وهي ما يحدد مهنية العمل الصحفي من عدمها. قد يواجه الصحفي بعض التحديات في تنزيل هذه المعايير الكلية على الممارسة الميدانية الجزئية، ومن ثم فلا بد من الجمع بين تقاليد المهنة الصحفية كما تشكلت عبر الممارسة الطويلة من جهة، والسياسة التحريرية الخاصة بالمؤسسة التي يعمل فيها من جهة أخرى؛ بحيث يكون هناك انسجام بين عمل الصحفي ومؤسسته من دون تنافر، وذلك لضمان أكبر قدر ممكن من الاتساق والبعد عن التحيزات الشخصية للصحفي أو تحيزات المؤسسة في ميدان التطبيق على الوقائع الجزئية المحددة.
ولضمان ذلك، يجب أن تخضع هذه المعايير وتطبيقاتها لنقاش عام داخل المؤسسة وبين الصحفيين، وأن يُفصح عنها للجمهور بحيث يكون هناك بيان للمعايير التي تلتزم بها المؤسسة الصحفية والعاملون فيها، بخاصة في القضايا السياسية الجدلية، ومن ثم يتحول النقاش من نقاش حول مبدأ الموضوعية المجرد إلى نقاش حول اختيارات كل مؤسسة وتعليلاتها لتحيزاتها، ومدى دقتها في تطبيقها لها على الوقائع المختلفة، أي إن النقاش سينتقل من نقاش حول التجرد كمفهوم مطلق إلى نقاش حول مدى تماسك التسويغات التي تقدمها كل مؤسسة لتحيزاتها، الأمر الذي سيضعنا في قلب ما أسميه التعليل الأخلاقي للفعل الصحفي ومصادر هذا التعليل ومدى متانة الحجج التي يقدمها لتحيزاته
ولهذا يجب على الصحفى أو الاعلامى التحلى بالموضوعية الواقعية وليس الافتراضيه أنها مهنة الشفافية ونقل الحدث كما يجب أن يكون فاهى رسالة قبل أن تكون مهنه

