في مكانٍ ما يعمُه الهدوء حيث صفوف المدرجات الفارغة المكسوة بالغطاء الأسود والساحة المستطيلة التي تفصل بين المدرجات وتنتهي بثلاث سلالم توصل إلى خشبة المسرح المختبئة وراء الستائر الحمراء التي تُفتح وتعلن عما في جوفها، حيث يوجد مجموعة من الشباب المليء بالأفكار التي يمكن أن تغير العالم بأكمله يومًا ما..
يجلس كلٌّ منهم يحاول فحص كل صندوق من صناديق ذاكرته ليحصل على فكرةٍ، وكأنه يجرد مرجعًا من مراجع التاريخ العريقة التي تستعين بأحدها لاكتشاف معلومة معينة، فتغرق في بحر الاكتشافات التي لم تخطر لكَ على بالٍ قط..
يجلس “سيف” البالغ من العمر واحدًا وعشرين عامًا، المُقيد بكلية الهندسة، ولكنه شغوفٌ بالفنون المسرحية ويتمنى أن يصير مخرجًا عظيمًا، وهو قائد هذه المجموعة وعلامات الإرهاق تعلو وجهه معلنةً عن عدم تذوقه النوم لمدة لا تقل عن ثلاث ليالٍ؛ فهذا العرض المسرحي الذي سيقام بعد سبعة أيام بمثابة تحدٍّ له، لقد كلفه د. توفيق رزق بمعهد الفنون المسرحية بعمل عرض مسرحي هو وفريقه، ولهم مطلق الحرية في اختيار فكرته وكتابة السيناريو الخاص به على أن يحققوا مركزًا في مسابقة العروض المسرحية لهذا العام، فعليه أن يتخطاه ويثبت لنفسه أنه يستطيع فعل ذلك.
تقدم “سيف” متجهًا لأعضاء فريقه موجهًا كلامه لهم: “أريد أن يقوم كلٌّ منكم بكتابة فكرة للعرض المسرحي في ورقة صغيرة مع كتابة اسمه ويقدمها لي لنناقشها ونقوم بكتابة السيناريو حتى لا يداهمنا الوقت”.
فلا قيمة لعرض مسرحي دون فكرة لابد من ترسيخها.
قام “سيف” بجمع الأوراق وقرر قراءة كل واحدةٍ على حدة ومناقشتها..
الورقة الأولى:
التحدث عن أهمية الوقت
“أحمد”
يعلق “سيف” قائلًا: يا لها من فكرة رائعة، فالوقت يُشكل العديد من اختياراتنا اليومية بل وقراراتنا المصيرية، وأغلب أمنيات الأشخاص أن يعود بهم الوقت ثانيةً حتى لا يفعلوا ما يندمون على فعله الآن.
أتذكر أبي -رحمه الله- أخبرني مثالًا لم يغِب عن عقلي: “إذا عُرض عليك مبلغ قدره مليون جنيه شرط أن تنفقه كاملًا في يومٍ واحد وما يتبقى سوف تعيده، بالفعل ستنفقه بالكامل.. هكذا الوقت يا بني، لديك كل يوم أربع وعشرون ساعة إذا لم تستثمرها في وقتها لن تعود لكَ، فعليك استغلال كل لحظة”.
الورقة الثانية:
التحدث عن ظاهرة التحرش
“مروان”
“سيف”: أمرٌ هام للغاية وهي ظاهرة لا يمكن إنكارها، وتحدث بكثرة، وتعددت أسبابها ولم نصل لسبب محدد لانتشارها؛ هل الأمر متعلق بالمفهوم الخاطئ للتحرر لدى النساء أم بعدم ترسيخ مبدأ عدم التعدي على حرية الغير لدى الرجال؟
الورقة الثالثة:
التحدث عن مميزات الزواج
“هبة”
“سيف”: أمرٌ اجتماعي نوعًا ما، وإن كان ينظر له البعض من منظور ديني وآخر دنيوي.
الورقة الرابعة:
التحدث عن النشاطات الطلابية
“يوسف”
“سيف”: أتفق معك أن جميع الطلاب يحتاجون لمثل هذه النشاطات، فهي تكسبهم خبرةً سواء في الدراسة أو في مجال العمل فيما بعد.
الورقة الخامسة:
التحدث عن الفشل
“آية”
“سيف”: من وجهة نظري أرى أن الفشل هو الطريق الواضحة معالمه للوصول إلى النجاح فقط إذا أردت السير فيه..
فالفشل له عدة طرق للمرور به، وكل شخص يختار طريقةً تناسب أفكاره، فمثلًا:
إذا تخيلت أن الفشل مجسدًا في حفرةٍ، كيف تتعامل معها؟
أحدكم سيتجنب الحفرة ويسلك طريقًا آخر، وهذا شخصٌ ضعيف لا يقوى على اجتياز فشله ولن يحقق ما يرجوه، والبعض الآخر سيسقط في الحفرة ولا يبحث عن وسيلة لإخراجه منها، وهذا النوع عادةً يظل سجين الفشل، أمّا البعض الآخر الذي أفضله هو من يسقط في الحفرة على ظهره ليقابل وجهه حافة الحفرة؛ ففي كل صباح سيتجدد أمله ومع ظهور شمس كل يوم سيولد حماسٌ جديد وسيصل لطريقةٍ ما تمكنه من الخروج والسعي لما يريد تحقيقه.
الورقة الأخيرة:
كنت أود كتابة فكرة ما خطرت على بالي ولكنني وجدتها تافهةً لا قيمة لها
“لن أكتب اسمي”
“سيف”: سأرد على صاحب هذه الورقة ردًا وجيزًا..
من المعروف أن العدد “صفر” ليس له قيمة وهو منفردًا، ولكن إذا لم يخترع “الخوارزمي” العدد “صفر” لم نكن تمكنا من حل إشكاليات الرياضيات حتى يومنا هذا!
انتهى “سيف” من قراءة الأوراق الصغيرة وقام بتعليقها على الحائط، ونظر لفريق عمله مبتسمًا ابتسامةً تخفي غموضًا وتساؤلًا، فقال لهم: “أعلم أن كل ما يدور بذهنكم الآن أي فكرة سأختار؟ ولكنني كنت أنتظر منكم سؤالًا هامًا قبل الشروع في كتابة الأفكار، ألا وهو: ما هي الفئة التي ستشاهد العرض وما هي اهتماماتها؟”
فجميع الأفكار شيقة لا محالة، ولكنكم قمتم باختيارها بناءً على أفكاركم ومعتقداتكم الشخصية، ولم تهتموا بالفئة التي ستقيّمكم، فمثلًا:
اختار “أحمد” التحدث عن الوقت لأنه فقد صديقه منذ عامين فيريد استرجاع الوقت ليراه مرة أخرى، وكذلك “هبة” أرادت التحدث عن مميزات الزواج فقط حيث كان زفافها الشهر الماضي، وبهذا النمط أعتقد بعد خمس سنوات ستكتب روايةً عن “الكفاح داخل دهاليز محكمة الأسرة”، وأيضًا “يوسف” باعتباره وكيلاً لشئون اتحاد الطلاب بالجامعة، أمّا “مروان” فلفت الأنظار لظاهرة نعاصرها بالفعل ولكنه لم يهتم إذا كان سيشاهد العرض أطفالٌ يجب مراعاة حدود تفكيرهم أم لا؟ ولا يمكننا أن نتحدث عن الفشل كما زعمت “آية” حتى لا نرسخ أفكارًا سلبية في عقول الشباب.
“وهذا هو الخطأ الشائع الذي يقع فيه أغلبنا؛ فنحن نضع أفكارًا وأهدافًا من وجهة نظرنا ومن منظور احتياجاتنا فقط ونريد تطبيقها على المجتمع بأكمله دون النظر لما قد يحتاجه!”
“فعندما يتعلق الأمر بالشخص ذاته، له مطلق الحرية في اختيار أفكاره ومعتقداته وأهدافه، ولكن عندما يتعلق بمجموعة أشخاص أو بالمجتمع فعلينا مراعاة جميع الأطراف”.
وهذا هو السيناريو الذي سنقدمه في العرض المسرحي.
_ جيهان سيد 

