في لحظات التحول الكبرى التي تمر بها الدول، تصبح الهوية الوطنية هي خط الدفاع الأول والأخير، فهي الوعاء الذي يحفظ الذاكرة، ويصون الوعي، ويمنح المجتمع تماسكه في مواجهة محاولات التفكيك أو الطمس أو الاستبدال. والهوية المصرية، بما تحمله من عمق تاريخي ممتد، وثقافة متراكمة، وروح حضارية تشكلت عبر آلاف السنين، لم تكن يومًا مجرد شعارات أو مظاهر، بل كانت دائمًا جوهر الدولة ومرتكز بقائها واستمرارها.
لقد أدركت القيادة السياسية في مصر بقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي منذ توليه المسؤولية، خطورة ما تتعرض له الهويات الوطنية في المنطقة من محاولات تفكيك وتشويه، سواء عبر الفكر المتطرف، أو الشائعات، أو استغلال الأزمات الاقتصادية والاجتماعية،او عن طريق بث الفوضى الفكرية، وخلق مسافات وهمية بين المواطن ودولته، وبين الأجيال وجذورها ،وأن معركة الدولة الحديثة ليست معركة حدود فقط، بل معركة وعي وهوية وانتماء ومن هنا جاءت توجيهاته الحاسمة بأن تكون الدولة بكل مؤسساتها في حالة وعي دائم، لا لحماية الأرض فقط، بل لحماية العقل والوجدان معًا
فكما نعلم جميعاً أن الهوية لا تُحمى بالخطب وحدها، وإنما تُصان بالفعل المؤسسي، وبالقرار السياسي، وبالرؤية التي ترى في الإنسان محور الدولة، وفي الأمن الشامل مفهومًا يتجاوز السلاح إلى حماية الوعي العام. ومن هذا المنطلق، جاءت توجيهات الرئيس المتكررة لمؤسسات الدولة، وعلى رأسها المؤسسات الأمنية، بأن تكون حامية للاستقرار، وضامنة لسلامة المجتمع، ومدركة أن أمن الوطن يبدأ من وعي أبنائه قبل حدود جغرافيته.
لقد شهدت مصر في السنوات الأخيرة تحديات غير مسبوقة، استهدفت في جوهرها ضرب الثقة بين المواطن ودولته، وتشويه الرموز، وبث مفاهيم مغلوطة عن الانتماء، ومحاولة تقديم الفوضى باعتبارها بديلًا للحرية. غير أن الدولة، بقيادة سياسية واعية، تعاملت مع هذه التحديات بمنهج متوازن، يجمع بين الحسم في مواجهة الخطر، والحرص على عدم المساس بثوابت المجتمع أو الإخلال بتماسكه.
وكان لافتًا أن الخطاب السياسي في هذه المرحلة لم ينفصل عن الوجدان الشعبي، بل خاطبه بلغة المسؤولية، وربط بين الوطنية والعمل، وبين الانتماء والبناء، وبين حب الوطن واحترام مؤسساته. فالوطنية، في هذا السياق، لم تُقدَّم بوصفها انفعالًا عاطفيًا مؤقتًا، بل التزامًا يوميًا، وسلوكًا واعيًا، وحرصًا على عدم الانجرار خلف دعوات الهدم أو خطاب الكراهية أو التشكيك.
أما دور المؤسسات الأمنية، فقد تجاوز المفهوم التقليدي للأمن، ليصبح شريكًا في حماية الاستقرار المجتمعي، ومساندًا لجهود الدولة في ترسيخ الشعور بالأمان، ومواجهة كل ما من شأنه تهديد النسيج الوطني. وقد جاءت توجيهات القيادة السياسية واضحة في هذا الشأن: أمن بلا تجاوز، وحزم بلا ظلم، وقانون يُطبَّق بعدالة، ويحمي الجميع دون تمييز.
وفي هذا الإطار، تبرز أهمية التعامل مع قضايا الأمن الفكري بوصفها جزءًا لا يتجزأ من الأمن القومي. فالهوية المصرية ليست مجرد تراث مادي، بل منظومة قيم، واحترام للتنوع، وقدرة على التعايش، وإيمان بالدولة الجامعة لا الفِرق المتناحرة. ومن هنا كان التصدي لخطابات التطرف، سواء الديني أو السياسي أو الاجتماعي، ضرورة وطنية، لا تقل أهمية عن حماية الحدود أو تأمين المنشآت.
كما أن الحفاظ على الهوية لا ينفصل عن دعم مؤسسات الدولة التعليمية والثقافية والإعلامية، التي يقع على عاتقها ترسيخ الانتماء، وتعزيز الوعي، وتقديم صورة متوازنة عن الوطن، لا تُغفل التحديات، لكنها لا تسمح بتشويه الواقع أو اختزاله في السلبيات. وقد كان واضحًا أن القيادة السياسية تنظر إلى هذه المؤسسات بوصفها خطوط دفاع متقدمة في معركة الوعي، لا أدوات تكميلية أو هامشية.
إن مصر، في ظل قيادتها الحالية، تخوض معركة بناء شاملة، لا تقوم فقط على مشروعات البنية التحتية أو الإصلاح الاقتصادي، بل على إعادة ترميم الثقة، وتعزيز الشعور بالانتماء، وإعادة الاعتبار لقيمة الدولة الوطنية. فالدولة القوية، في فلسفة القيادة السياسية، هي الدولة التي يحتمي بها المواطن، ويشعر أنها تعبر عنه، وتحفظ كرامته، وتصون هويته، وتفتح له أفق الأمل.
ولعل أخطر ما تواجهه الدول في هذا العصر ليس العدوان المباشر، بل محاولات تفكيك الوعي، وزرع الشك، وإضعاف الروابط بين المواطن ومؤسساته. وهو ما واجهته مصر بإدراك عميق لطبيعة المرحلة، وبقرارات حاسمة، وبخطاب سياسي يعيد التأكيد على أن الجيش والشرطة ومؤسسات الدولة ليست كيانات منفصلة عن الشعب، بل هي نسيج واحد، ومصير واحد، وهوية واحدة.
إن الهوية المصرية، التي صمدت عبر العصور، لم تفعل ذلك صدفة، بل لأنها كانت دائمًا محمية بدولة قوية، وقيادة واعية، وشعب يدرك قيمة وطنه. واليوم، في ظل قيادة سياسية ترى في الحفاظ على الهوية جزءًا أصيلًا من مسؤوليتها التاريخية، تتجدد هذه القدرة على الصمود، وتتأكد حقيقة أن مصر، كيان واحد غير قابل للتجزئة، وأن الحفاظ عليها ليس خيارًا، بل واجب وطني لا يقبل التهاون.
وهكذا، تظل الهوية المصرية حاضرة، نابضة، عصية على الكسر، ما دامت القيادة السياسية تضعها في صدارة أولوياتها، ومادامت مؤسسات الدولة تعمل بروح واحدة، ومادام الشعب يدرك أن الوطن ليس مجرد مكان نعيش فيه، بل هو معنى نعيش به، وكيان نحميه، ومستقبل نصنعه معًا.

