يا صديقى
هناك ليال لا تكتب فقط تعاش كأنها عقاب معلق بين السماء والأرض
ليال لا يأتي فيها النوم ولا يغادر فيها التعب ولا تتحرك فيها عقارب الوقت إلا ليزيد جرحا كان يكفيه نبض بسيط لينهد
في تلك الليلة تحديدا الليلة التي مات فيها قلبك كان العالم يحتفل بضوئه بينما كنت أنت وحدك تودع آخر بصيص كان يسكن داخلك
لم يكن الموت صاخبا
لم يكن موجعا لحظة وقوعه كما توقعت
كان هادئا بطيئا يشبه انسحاب الضوء من تحت باب غرفة قديمة
قلبك لم ينفجر
لا
قلبك ذوى تلاشى انكمش مثل وردة عطشى نسي صاحبها أن يرويها لسنوات
وما من أحد لاحظ أن لونها تغير وأن عطرها خفت وأن أوراقها صارت تسقط في صمت لا يسمعه سوى أنت
كان القلب يموت منذ وقت بعيد لكنك كنت تخدر الألم بالكبرياء
كنت تقنع نفسك أن الأمور ستتحسن وأن الذين كسروا روحك سيعودون وأن الكلمات التي جرحت بها ستلتئم وأن النبض سيستعيد قوته يوما ما
كنت تكذب على نفسك كي لا تشعر بالفراغ الذي يزداد كل يوم
فراغ كان يأكل أطرافك من الداخل بينما تبتسم للناس كي لا يسألك أحد
ماذا جرى لك
لكن الحقيقة يا صديقي
أن القلب لم يعد يحتمل
لم يعد قادرا على حمل كل تلك الخيبات فوق أوردته الضعيفة
لم يعد يستطيع السير في علاقات مكسورة أو انتظار اعتذار لن يأتي أو التمسك بأشخاص لم يمنحوه يوما إلا الوجع
كان قلبك يتوسل الخلاص دون أن تقول كلمة واحدة
ومع ذلك
تمسكت قاومت حاولت أن تنقذه بآخر ما في داخلك من دافئ المشاعر
لكن ماذا يفعل القلب حين يتعب من المحاولة
وماذا يفعل حين لا يجد يدا تنقذه
وماذا يفعل حين يكون وحده في معركة لا يعرف العالم شيئا عنها
في تلك الليلة لم يكن حولك أحد
لم يكن أحد يعرف أنك تبكي بصمت وأن روحك ترتجف وأن صدرك يتهدم من الداخل كجدار مهجور
لم يكن أحد يعرف أنك وصلت إلى آخر نقطة في الطريق وأنك لم تعد قادرا على حمل شيء ولا على الصبر ولا على التظاهر بالقوة
وهكذا
اختار القلب أن يتوقف
ليس توقفا جسديا بل توقفا شعوريا
توقفا عن الأمل عن الحلم عن الانتظار عن الثقة عن منح الناس ما لا يستحقون
اختار أن يموت كي لا يكسر مرة أخرى
اختار أن ينطفئ كي لا يحترق أكثر
ثم دفنته
دفنته وأنت ترتجف لأنك تعرف جيدا أنك لا تدفن عضوا من جسدك بل تاريخا طويلا من المشاعر التي حملتها بصدق
دفنت أحلاما كنت تظن أنها ستصير واقعا
دفنت الممرات التي مشيتها نحو من أحببت
دفنت كلمات لم تقل وخوفا لم يفهم وصمتا لم يفسر وحنينا كان
أكبر من طاقتك
دفنت تلك البساطة التي كانت تشبهك والصفاء الذي كان يميزك والبراءة التي جعلتك تصدق ما لا يجب تصديقه
دفنت قلبا ظل سنوات يحرس الآخرين بينما لا أحد حرسه
قلبا لم يخن يوما أحدا لكنه تعرض للخيانة ألف مرة
قلبا لم يطلب إلا قليلا من الاهتمام فكان نصيبه التجاهل
قلبا لم يعرف الأنانية فكانت نهايته على يد الذين يعرفونها جيدا
لكن
هنا يبدأ الجزء الأصعب
ماذا يحدث بعد أن تدفن قلبك
هل ينتهي الألم
هل تختفي الذكريات
هل تتوقف عن البحث في الوجوه عن شبيه لما فقدت
هل تتوقف روحك عن الالتفات للخلف
هل يعود النوم
هل يتغير شيء
في الحقيقة لا
تبقى الأشياء على حالها
ولا يقف العالم دقيقة صمت حدادا عليك
ولا يقترب أحد ليسألك كيف تحتمل كل هذا
ستستيقظ في اليوم التالي تذهب لعملك تتحدث مع الناس وتضحك من باب العادة
لكن شيئا عميقا داخل صدرك يكون قد انكسر نهائيا
ستشعر كأنك تسير بلا قلب بلا اتجاه
سترى الأشياء بعيون متعبة وتسمع أصوات الناس كأنها بعيدة جدا
ستتحدث لكن صوتك ليس لك
ستضحك لكنها ضحكة بلا روح
ستعيش نعم لكنك لن تكون أنت
سيزورك الليل كل يوم وسيجلس بجوارك كصديق يعرف كل
أسرارك
سيذكرك بما كان بما فقدت بما حاولت بما لم تستطع
وسيزيدك وجعا كلما حاولت أن تقنع نفسك أنك لم تعد تهتم
ستسترجع وجوها كنت تحبها لكنها لم تحبك كما يجب
وستسترجع كلمات آلمتك أكثر مما يجب
وستغفو على أحلام لم تعد قابلة للحياة وتستيقظ على حقيقة لا تشبهك
ومع ذلك
رغم كل هذا السواد
هناك خيط صغير جدا يكاد لا يرى لكنه موجود
خيط لا ينقطع مهما حاول الحزن أن يقطعه
خيط يربطك بالحياة حتى وأنت في أعمق نقطة من الانطفاء
ذلك الخيط هو ما سيعيدك يوما
ليس اليوم
ولا غدا
لكن في الوقت الذي يقرره الله سيأتي شيء ما يوقظ داخلك بقية صغيرة من نبض كنت تظنه مات
ربما كلمة صادقة أو إنسان مختلف أو موقف بسيط يلمس شيئا في داخلك
وربما عودتك إلى نفسك بعد سنوات من الغياب
سيكبر هذا الخيط وسيصبح جذورا صغيرة ثم غصنا ثم نبضة خجولة ثم قلبا جديدا
قلبا لا يشبه ما فقدت لكنه يشبهك أنت
يشبه حكمتك التي جئت بها من الألم وقوتك التي خرجت من بطن الانكسار ونضجك الذي ولد من قبر القلب القديم
وتلك يا صديقي
هي المعجزة الحقيقية
أن يعود الإنسان للحياة بعد أن يموت قلبه

