بقلم: د. عبدالهادي الكناني
في زوايا الحياة، حيث تتنوع المشاعر وتتداخل الأحاسيس، تظل العيون تترصدك، كأنها حراسٌ غافلون عن يقظتهم، لكنهم يراقبونك بلا توقف. هؤلاء يعيونك كأنهم يعيشون بك، يتابعون خطواتك، ويعدون أنفاسك، ويقارنون قراراتك، ويتتبعون أدق تفاصيل حياتك، كأنها ملكية خاصة بهم، أو قصصٌ من نوع خاص لا يرون غيرها.
وفي غفلة من هؤلاء، يتجلى الكثير من المعاني، فحين يراك ناجحًا، يتساءلون عن كيف ولماذا، لا عن هل تعبّت أو لا. وحين يراك مبتسمًا، يعتقدون أن الحياة منحتك نصيبها بلا ألم، وكأنك لم تذق مرارة الصبر، أو تعب الدرب. أما عندما تصمت، فيفسرون صمتك بأهوائهم، يظنون أنهم يقرأون في كفك أسرارك، ويتأملونك على طريقتهم الخاصة، كأنك ملكهم، أو قصة تنتظر أن تُكتب.
لكن، هل يدرون حقًا من أنت؟ هل يعرفون منحنيات تاريخك، أو معاناة أيامك، أو أحلامك التي تتحدد بها خطواتك؟ ربما لا، ومع ذلك، يقضون أوقاتهم في قراءة حياتك، وتفسير تصرفاتك، وكأن حياتك رواية كُتبت لهم وحدهم، ويملؤون فراغاتهم بملاحقة أُخرى، بلا هدف إلا محاولة التفسير أو الانتقاد.
أما الطريف في الأمر، فهو أن بعض هؤلاء المراقبين لا يملكون أدنى فكرة عن ماذا يريدون من حياتهم، ولا يسعون لتطوير أنفسهم، بل يواصلون حراكهم السلبي، مع أنهم خبراء في إصدار الأحكام، وناطقي الأحكام على الآخرين، كأنهم أوصياء على سر الحياة وسر الإنسان. إنهم يتصورون أن بيدهم صك الوصاية على الناس، يوزعون التقييمات ويشهرون التشخيصات، معتقدين أن ذلك يمنحهم القوة أو التحكم، وهم يجهلون أن من يركز على مراقبة الآخرين غالبًا هو من ضاع يبحث عن ذاته.
الحقيقة أن من يراقبك بمثل هذا الشكل، هو غالبًا شخصٌ ضائعٌ في ذاته، يحاول أن يهرب من فشله عبر ملاحقة نجاحك، أقلّه كي يشعر بالانتعاش الوهمي، أو يخفف من عزله الداخلي بعد أن غيّبه العجز. يهرب من عجزه بالحديث عنك، ويشبّه نفسه بك، ليغطي ضعفه، أو يهدف لتقوية ذاته عبر التقليل منك، دون أن يدري أن ذلك لا يعكس إلا فراغه الداخلي.
لذا، لا تمنح هؤلاء أية قيمة، ولا تسمح لأفكارهم وأحكامهم أن تُشغل تفكيرك أو توقف خطواتك نحو طموحاتك. عِش كما تريد، كن على طبيعتك، ولا تتأثر بمزاجهم أو بشهواتهم للتحكم في حياتك. فالأضواء والأصوات التي تلاحقك ليست إلا ضجيجًا فارغًا، وأصدقائك الحقيقيون هم أولئك الذين يساندونك بصمت، ويشجعونك على المضي قدمًا.
وتذكر دائمًا أن التركيز على حياة الآخرين وتحليلها، ليس إلا هروبًا من الذات، وانشغالاً بغيرك لا يدل على الحب، بل على فراغ عميق في الروح. إزرع لنفسك طريقًا واضحًا، هدفًا نقيًا، وسر في دربك حتى وإن كنت وحدك، فالحياة قصيرة جدًا، لا تستحق أن تُضيعها على من لا يرى فيك إلا مجرد نور قليل، أو ضوء هش في ظلام التحديات.
وفي نهاية المطاف، دعهم يثرثرون، وراقب بصمت كيف يتحدث النجاح عنك، حين تنفرد بنورك وسط الزحام، سيكون لافتا أن من لم يرَ نورك حين كانت الدنيا تخفيه، لن يفهم حجم النور عندما يسطع وحدك، ويُشرق طريقك الذي كتبت له أن يكون عنوانًا للتميز والنجاح الحقيقي.

