كتبت هذا المقال اليوم لا لأنصح المعلمين وأنصح نفسي معهم، ولكن لنتنبه جميعًا: مَن نكون للطفل الذي أودعه الله أمانة بين أيدينا؟ سأقص عليكم تفصيلة عن طفل بدوي بسيط في امتحان الشهادة الابتدائية (الدور الثاني)، على غرار أيام طه حسين، وهي واقعية والله يعلم.
كنت قد كُلِّفتُ في أحد الأيام بالمراقبة في مكان ناءٍ، والمعهد ينتسب إليه أطفال بدو لا يحضرون على الإطلاق. كان من بين قائمة لجنتي طفل يُدعى صابر، تأخر حتى شعرنا أنَّ خطر عدم احتساب العام قد دنا إن لم يحضر. قال الناس في المعهد، والعمال: “لا يهم!”، ولكني أصررت على إرسال عامل له. رفض الجميع، فدفعت عشرة جنيهات لامرأة تبيع الجرجير على باب المعهد، فأحضرته فعلًا. وهنا كانت المفاجأة: الطفل صابر قادم يلهث من الحر، يرتدي جلبابًا وبلا حذاء، والله ليس معه قلم، والحرارة تتوهج من جبهته. أعطيته القلم وقلت: “كنت فين يا صابر؟ كنت هتعيد العام!”. أجاب: “أبي لا يرغب أن أتعلم، أنا تسللت وجئت”. هنا أدركت أن صابر لن يكتب شيئًا.
لكن كانت المفاجأة الأخرى: كان امتحان رياضيات! أعطيته قلمًا ومنديلًا وجففت عرقه، فقال لي: “لم أحضر الدور الأول؛ كنا بالخيمة في الشرقية، وأبي أقسم أني لن أحضر”. وأخذ يجيب بنفسه إجابة صحيحة وخط مُنمَّق. فسألته: “مَن علمك؟ أنت ممتاز!”. فأجاب: “شيخ المعهد! كل يوم أذهب إليه بالكتب ومعي كيلو لبن خراف، يعطيني حقه ويذاكر معي”. فضحكت وقلت له: “أنت تكذب يا صابر، الخراف ليس لها ألبان!”. فضحك: “النعاج يا ستي، تظنينني من البندر؟”. فأجبت: “لا يا صابر، كلنا مثلك أبناء فلاحين، ولكننا تغلبنا على كل شيء وتعلمنا”.
فأجاب الطفل وعيناه تبرقان أملًا: “يعني ينفع أكون مهندسًا؟”. فأجبت: “أكيد! امتحان الرياضيات في يدك يؤكد أنك ستصبح مهندسًا”. قال: “معك تليفون؟”. ضحكت: “أيوة، وأنت عندك؟”. أخرج من ثنيَّة جلبابه تليفون نوكيا صغير، قال: “أيوة طبعًا، أبيع اللبن به والجبن! اكتبي رقمك هنا، عاوز أعرف هاعمل إيه؟”. طفل ورجل بمعنى الكلمة! تواصل معي كثيرًا وأكمل تعليمه مع أنه يرعى الأغنام.
انتبه أيها المعلم! على أعتابك قد تحيا آمال أطفال، وقد تتحطم قلوبهم معها.
صباحكم سعيد 

