كان يعرف جيدا أن الحياة لا تعيد ما تأخذه لكنها أيضا لا تعلمه كيف يعيش بعد الخسارة منذ أن رحلت حبيبته الأولى لم يعد يشعر أن قلبه يسكن جسده صار يعيش كأنه ضيف على أيامه يمر بها مرورا خفيفا لا يترك أثرا ولا ينتظر شيئاثم جاءت الحياة بحكاية جديدة بامرأة جديدة بعينين تحاولان الإمساك بروحه الهاربة لكن الروح التي فقدت وطنها لا تنتمي بسهولة والقلوب التي ذاقت رحيلا
قاسيا لا تشفى بسرعة هو لا يكرهها ولا يعاملها ببرود متعمد لكنها لا تعرف أن الرجل حين يفقد راحته الأولى لا يعيش مع الثانية بل يعيش بجانبها فقط رجل يحمل ماضيه كحجر في صدره كان يخفي حزنه عن الجميع لا أحد يرى ما يحدث داخله يمشي في الطرقات كأي رجل عادي يضحك يتحدث يعمل لكن القلق ينام في صدره كل ليلة والوجع يوقظه فجأة حين يتذكر ضحكة الراحلة أو
طريقة نطقها لاسمه هو لم يكن يعشقها عشقا بسيطا كانت بيته وسكينته وصوته الداخلي الذي يهدئه ويده التي كانت تمسك روحه قبل أن تسقط وحين ماتت سقطت حياته كلها ولم يرجع منها إلا القليل امرأة تحبه ورجل لا يستطيع أن يرتاح حبيبته الجديدة ليست مذنبة هي تفعل كل شيء لتجعله سعيدا لتعيده إلى الأرض لتجعله يؤمن أن هناك بابا آخر للسعادة لكن الحقيقة التي لا يحب
أن يقولها هي هو ليس مستعدا حين تمسك يده يشعر أن هناك يدا أخرى كانت تمسكها من قبل حين تقترب منه يسمع في داخله صدى صوت قديم وحين تقول له بحبك لا يعرف ماذا يرد لأنه يشعر وكأنه يسرق كلمة قيلت لامرأة رحلت هو لا يخونها ولكنه يخون نفسه يخون إحساسه حين يحاول أن يبدو بخير وهو ليس كذلك صراع داخلي لا يراه أحد الرجل العظيم في نظر الناس قد يكون
محطما في داخله بطريقة لا تصدق هو لا يستطيع أن يقول للمرأة الجديدة أنا بحاول أكون ليكي بس قلبي لسه مش راجع ولا يستطيع أن يقول للراحلة سامحيني أنا تعبت من الوحدة ولا يستطيع أن يقول لنفسه امش خطوة لقدام لأن الخطوات أمامه مليئة بذكريات وكل خطوة تجرحه من جديد هل وجع الموت يشبه وجع الحب لا وجع الموت أعمق وجع الموت يجعل الإنسان يشعر أن
جزءا من روحه خرج ولن يعود وفي كل علاقة جديدة يكتشف أنه يحاول أن يرمم فراغا لا يمكن لأحد أن يملاه مهما حاول هو لا يطلب المستحيل هو فقط يريد راحة راحة تشبه تلك التي كانت تمنحها له المرأة التي غابت لكن الراحة لا تأتي بالطلب الراحة تأتي حين يتوقف القلب عن الخوف وقلبه منذ رحيلها لم يعرف غير الخوف المرأة الحالية لا ترى الحقيقة كاملة هي ترى ضحكته وترى
خوفه حين يغترب لحظة وترى صمته الطويل الذي لا تفسير له لكنها لا ترى الصورة كاملة لا تعرف أن صمته ليس قسوة بل عجز ولا تعرف أن ابتعاده ليس مللا بل محاولة لحماية قلب يخاف أن يظلمها ولا تعرف أنه حين ينظر إليها يرى ملامح امرأة أخرى خلفها امرأة لن تعود الرجل بين عطش لماض مات وخوف من مستقبل لا يفهمه أشد ما يوجع الرجل أن يقف بين خيارين كلاهما مر أن
يتمسك بذكرى لا تنفعه أو أن يضلل قلب امرأة تحاول أن تحبه بصدق لكنه لا يفعل هذا ولا ذاك هو يعيش في المنتصف يشبه ظلا من رجل يمشي ولا يصل يحب ولا يكتمل يعيش ولا يشفى الليل الذي يكشف الحقيقة في النهار يبدو قويا يبدو طبيعيا لكن الليل يفضحه الليل يعيد إليه ما يحاول الهرب منه الليل يجلس معه على سريره ويقول له انت لسه موجوع لسه بتفتكر لسه مش قادر تبدأ
وهو لا ينكر هو يضع رأسه بين كفيه ويغرق في صمته ويخاف أن ينهار أمام امرأة تستحق أن ترى نصفه المضيء لا نصفه المكسور لماذا لا يرتاح معها ليس لأنها ليست جميلة ولا لأنها لا تحبه بل لأنها جاءت بعد زلزال القلب الذي تعرض لصدمة الموت لا يعود كما كان كأن هناك بابا أغلق داخله للأبد والحب الجديد مهما كان صادقا لا يستطيع أن يكسر هذا الباب بسهولة هو يحاول يحاول بأدب
وبصمت وبصدق لكنه كلما مد يده للكلمات توقفت في حلقه الحقيقة التي يخاف أن يعترف بها هو يخاف أن يخسرها ويخاف أن يخدعها ويخاف أن يبقى وحيدا ويخاف أن يدخل علاقة وهو ليس مستعدا الرجل الذي فقد راحته الأولى لا يبحث عن الحب هو يبحث عن حضور مطمئن عن قلب يحتضن خوفه لا يطالبه بأن يكون قويا عن امرأة لا تخاف من حزنه بل تجلس بجانبه حتى لو
لم يتكلم هل سيشفى يوما لا أحد يعرف الزمن يداوي نعم لكن بعض الجراح تبقى كعلامة في الروح لا تشفى لكنها تصبح أخف ربما يأتي يوم تستيقظ فيه روحه أخيرا ويعود إلى الحياة بكل ما فيه وربما يستمر طويلا يبحث عن نفسه في كل وجه يمر أمامه لكن الشيء المؤكد أنه ليس سيئا وليس قاسيا هو فقط رجل موجوع يحاول أن يتنفس النهاية التي لا تكتب النهايات في الحكايات تغلق
الأبواب لكن في الحياة لا توجد أبواب مغلقة الرجل ما زال يمشي يحمل ذكرى امرأة رحلت وحب امرأة تحاول ووجعا لا يعرف من أين يبدأ علاجه ربما يختار قلبه يوما وربما تبقى روحه معلقة بين الماضي والحاضر إلى أن يرحمه القدر مرة أخرى لكن حتى ذلك اليوم هو رجل يبحث عن راحته راحة تشبه حضنا قديما وصوتا لم يعد موجودا وبراءة شعور لن يتكرر

