نقف كثيرًا في تلك المساحة الرمادية، لا نحن خائفون تمامًا، ولا مطمئنون كما ينبغي. مساحة اسمها الاعتياد؛ ذلك الشعور الملتبس الذي لا يوجع فجأة، لكنه يستنزف ببطء.
الخوف في بدايته صاخب، يعلن عن نفسه بوضوح: تسارع في القلب، قلق في الصدر، وأسئلة لا تنتهي. لكن مع الوقت، يحدث ما هو أخطر… نعتاد. نعتاد القلق، نعتاد التوتر، نعتاد العلاقات غير الآمنة، والضغوط المستمرة، وحتى الألم يصبح جزءًا من الروتين اليومي.
الاعتياد لا يعني السلام، بل أحيانًا يعني الاستسلام الصامت. أن تتوقف عن المقاومة، لا لأنك بخير، بل لأنك تعبت من المحاولة. هنا لا يعود الخوف مرئيًا، بل يتخفّى في صورة صبر، أو تحمّل، أو «مشّيها».
نعتاد أشياء لم نُخلق لاحتمالها طويلًا:
نعتاد الغياب، الجفاء، العمل بلا شغف، والعيش بلا معنى واضح. نبتسم، ننجز، نُكمل، بينما شيء في الداخل يتآكل بهدوء.
الخطير في الاعتياد أنه لا يُطلق إنذارًا. لا يصرخ، لا يلفت الانتباه، فقط يجعلك تقبل بما كنت ترفضه يومًا، وتعيش حياة أقل مما تستحق.
ما بين الخوف والاعتياد، توجد لحظة وعي فاصلة:
أن تسأل نفسك بصدق:
هل أنا متأقلم… أم متألم؟
النجاة الحقيقية لا تكون في إنكار الخوف، ولا في التعايش الأعمى معه، بل في الاعتراف بأن بعض ما نعتاده يستحق أن نغادره، لا أن نتعايش معه.

