وفي الراكيهِ على ساحلِ البحرِ الأبيضِ المتوسطِ ذهبتُ اليومَ أرى أسرارًا. صحيح أنني كنتُ قبلُ اليومِ هنا لكني كنتُ في حيرةٍ من أمري ولا قادرًا على استيعابِ القضاءِ ولا قادرًا على اكتشافِ أسرار. لكنّي رجعتُ وتركْتُ الحيرةَ خلفي وجئتُ لاكتشافِ الأسرار. وجدتُ الموجةَ تجري وتلاحقُ الموجةَ الأخرى على الشاطئِ وقفتُ بفكرٍ متباطئٍ أريدُ أن أسألَ لماذا. يا موجةَ تجري وتلاحقُ الموجةَ وكأنَ الموجةَ سمعتني همستُ بالصوتِ في أذنيّ: أنا بعشقُها عشقًا جميلًا تتهرّبُ مني وألاحقُها وأداعبُها بشكلٍ جميلٍ، وعمري كلهُ بجري وراءها، وعمري ما كللتُ من حُبي وعن عشقي عمري ما أميل. أقولُ لكَ سرُّ جمالِ الحبِّ أنكَ تفضلُ تلاحقَ من تحبُّ بالكلماتِ وبالسلاماتِ وبالسؤالاتِ. جمالُ الحبِّ أنكَ تبقى كالموجةِ تجري خلفها أينما تكونُ، تقولُ لها: أنتِ كلُّ الكونِ، وتُشعرُها أنكَ لنْ تَكلَ ولا تَملَّ من حبّك وعطفك، ستظلُّ موجةً تُغطيها أينما تكونُ. عرفتَ أنا لماذا أجرِي وراءها طولَ عمري؟ وعمري لن أقفَ، وكلُّ يومٍ هجْري عليها وألاحقُها. تعبتُ جدًّا وقلتُ: ارتاحُ. أحضِرُ كرسيًا وأجلسُ أرى البحرَ وصفاءَهُ. وفجأةً لَمَعَ قمرٌ ساطعٌ بأضوائهِ بيكتبُ شعرًا ويكتبُ قصةً فوق البحرِ. ناديتُ عليه: “ب تعملُ إيه؟” قالَ: “البحرُ دَفْتِري أكتُبُ فيهِ كلَّ أحاسيسِي وقَلَمِي الحبرُ هو الصبرُ أكتبُ بهِ وشوفُ البحرُ وحدهُ يقلبُ الصفحاتِ ويقولُ لي: اكتبْ، هاتْ كلَّ أوجاعِك، هاتْ كلَّ أفراحِك، اكتبْ. أنا سأثبتُ، وعِندي بكرةٌ ستجدُ فيا كلُّ ذكرياتِك. هاتْ ولا تخشَ أني أَخُونَ وأبوحُ بالذكرى هذهِ لغيرك. تأكَّدك أن سركَ مات، ولا يحيَ إلاّ لما تقول: افتحِ لي كتابَ الذكرياتِ في الراكيةِ”.

